1. السلام، الحياة، الانتقال: مدخل ماركسي لفهم أوهام الإصلاح في السودان

عماد حسب الرسول الطيب
2025 / 9 / 28

تمهيد

تقدَّم الأزمة السودانية منذ اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل 2023 نفسها كواحدة من أعقد تجليات التناقضات في الرأسمالية الطرفية. فالمشهد ليس مجرد حرب بين جنرالين أو صراع بين مؤسستين عسكريتين، بل هو انفجار لتناقضات اجتماعية–طبقية تراكمت عبر عقود من سياسات النهب والتبعية، منذ الاستقلال الشكلي وحتى لحظة الثورة الشعبية في ديسمبر 2018 وما تلاها من انتفاضات. غير أن الخطاب الإصلاحي السائد، المدعوم من المؤسسات الدولية والإقليمية، يحاول أن يختزل هذه الأزمة الوجودية إلى شعارات إنسانوية سطحية مثل "الحياة أولاً"، وإلى مقولات عن "السلام" و"الانتقال المدني الديمقراطي"، وكأن جوهر الأزمة هو غياب إدارة رشيدة أو سوء تفاهم سياسي يمكن تجاوزه عبر اتفاق بين النخب.

إن التحليل الماركسي لا يقبل هذه الاختزالات. فالأزمة السودانية، مثلها مثل أزمات الهامش العالمي الأخرى، هي أزمة بنيوية ناتجة عن طبيعة التراكم الرأسمالي التابع وعن التكوين الطبقي المشوَّه الذي أفرزته. لذلك فإن أي محاولة لتقديم "السلام" أو "الحياة" أو "الانتقال" كحلول قائمة بذاتها، دون المساس بأساس البنية الطبقية، ليست سوى إعادة إنتاج لنفس الأزمة بوجوه جديدة. إنها مشاريع لإدارة الأزمة، لا لتجاوزها، وهي في الجوهر أدوات للطبقة السائدة وحلفائها الإمبرياليين لإجهاض الثورة وإعادة الجماهير إلى دائرة الخضوع.

هذه ليست هذه المرة الأولى التي يُستخدم فيها خطاب السلام أو الإنسانية كغطاء في الواقع السوداني. ففي تجربة دارفور، حين علت الأصوات الدولية مطالبة بـ"حماية المدنيين" و"التدخل الإنساني"، كان الواقع أن معسكرات النزوح تحولت إلى أدوات للسيطرة وإدارة السكان، بينما استمرت عمليات النهب الممنهج للموارد. وفي الجنوب، رفعت اتفاقية نيفاشا شعار "السلام" لتغطي على إعادة إنتاج السيطرة الإمبريالية عبر تقسيم البلاد وتكريس سلطة أوليغارشية جديدة متحالفة مع الشركات النفطية. كلا التجربتين تُظهران أن السلام الليبرالي لا يوقف الحروب، بل يضمن ديمومتها في شكل جديد، ويحولها من صراع مفتوح إلى أزمة مزمنة.

هذه الظاهرة ليست سودانية خالصة، بل هي جزء من دينامية عالمية. في فلسطين، تحولت القضية من حركة تحرر وطني إلى "أزمة إنسانية" يتم التعامل معها عبر المساعدات والإغاثة، بينما بقي الاحتلال الاستعماري في جوهره دون مساس. في أمريكا اللاتينية، استخدمت الولايات المتحدة خطاب "حقوق الإنسان" لتبرير تدخلاتها العسكرية والاقتصادية، بحيث أصبح الدفاع عن "الحياة" غطاءً لإدامة أنظمة الاستغلال والتبعية. وفي العراق وأفغانستان، رُفعت شعارات "إعادة الإعمار" و"الديمقراطية" بينما كانت النتيجة هي الفوضى المستدامة والنهب الإمبريالي للموارد.

إن شعار "الحياة أولاً" لا ينفصل عن هذين الخطين: الخط المحلي للإصلاحية الليبرالية التي تريد احتواء الثورة السودانية داخل حدود "انتقال مدني" محكوم بقواعد السوق العالمي، والخط الدولي للإمبريالية التي توظف الخطاب الإنساني لإعادة تشكيل الهامش بما يخدم مصالحها. بهذا المعنى، فإن "الحياة" ليست حياة الكادحين والفقراء، بل هي حياة النظام نفسه، الذي يسعى إلى إنقاذ ذاته من السقوط عبر حقنة إنسانوية تُطيل عمره قليلاً. وكما قالت روزا لوكسمبورغ: "إما الاشتراكية أو البربرية"، فإن هذه الشعارات، بظاهرها المسالم، ليست إلا دعوة إلى البربرية المؤجلة.

أما شعار "الانتقال"، فهو الوجه السياسي لهذه اللعبة. فالانتقال الذي يُطرح ليس انتقالاً اجتماعياً يطيح بالبنية الطفيلية ويضع أسس الإنتاج على قاعدة اشتراكية، بل هو انتقال ليبرالي ضيق، ينقل السلطة من جناح إلى جناح داخل نفس الطبقة، ويمنح الوهم للجماهير بأن الديمقراطية الشكلية تكفي لتحقيق العدالة. هذا ما حدث في تجارب كثيرة من "الانتقالات الديمقراطية" في أمريكا اللاتينية وأفريقيا، حيث لم يتغير جوهر النظام الطبقي رغم الانتخابات والدساتير الجديدة.

إذن، المدخل الصحيح لفهم هذه الشعارات ليس أخذها في ظاهرها، بل تفكيكها جدلياً. فـ"السلام" الليبرالي هو أداة لإعادة إنتاج الحرب في شكل إداري؛ و"الحياة" الإنسانية المجرّدة هي أداة لتغطية موت الجماهير تحت الاستغلال؛ و"الانتقال" المدني الديمقراطي هو أداة لإجهاض الثورة وتحويلها إلى إصلاح ليبرالي محدود. هذه الأوهام الثلاثة، حين تتجمع، تُشكّل مشروعاً إصلاحياً كاملاً يسعى إلى إغلاق أفق الثورة السودانية وإعادة دمج البلاد في النظام العالمي التابع.

إن الثورة السودانية، إذاً، تقف اليوم أمام مفترق طرق: إما الانخداع بأوهام "السلام، الحياة، الانتقال" التي لا تعني سوى استدامة البؤس، أو الانطلاق في طريق ثوري واضح يقود إلى الاشتراكية، بوصفها الحل الوحيد الذي يحقق السلام الحقيقي والحياة الإنسانية الكاملة والانتقال الجذري نحو مجتمع جديد.

"إما أن تُحرز الطبقة العاملة النصر، وإما أن نهلك جميعاً معاً."
روزا لوكسمبورغ

النضال مستمر،،

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي