|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عبدالله عطوي الطوالبة
2025 / 9 / 24
ثقافتنا العربية بمرجعياتها المعرفية، تكاد تكون الوحيدة في عالم اليوم المرتبكة في موضوع السلطة السياسية بعامة، وأمر الحاكم المستبد الطاغية الواجب خلعه بخاصة. ويزيد طين الارتباك بِلَّةً بهذا الخصوص، انقسام مواقف الفكر الديني، الذي ما يزال يحتل مركز الدائرة في ثقافتنا بهذا الشأن إلى ثلاثة اتجاهات. الأول، ينزع مؤيدوه وأتباعه إلى الأخذ بنصح الحاكم وتقويمه، ثم التحلي بالصبر لعل وعسى. وكما هو شأن الدين، "حمّاَل أوجهٍ" في كل زمان ومكان، يجد هؤلاء في الموروث الديني ما يحتجون به ويسند رؤيتهم. ومن ذلك، الحديث النبوي: "إنه ستكون هناك هِنَات وهِنَات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوا عنقه بالسيف كائنًا من كان". ومن المعروف أن المستبدين في ماضينا وفي حاضرنا يسعدهم جدًّا هذا الحديث، ويبعث الطمأنينة في نفوسهم، إذ لطالما برعوا في توظيفه منتزعًا من سياقاته التاريخية لتبرير أباطيل سياساتهم وسفالاتهم. فقد استخدمه الأمويون في تبرير مقتل الحسين بن علي بن أبي طالب، في موقعة كربلاء الشهيرة، لخروجه على "إجماع المسلمين" ووحدتهم بقيادة الخليفة السادس يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، المختلف بشأن سيرته وسلوكه. كما تأَوَّلُوا عبارة "كائنًا من كان" الواردة في الحديث على أنها إشارة للحسين، وعلى وجه التحديد مكانته كإبن بنت النبي عليه السلام.
الإتجاه الثاني، يدعو إلى الخروج على الحاكم الظالم وخلعه بالقوة. وقد عزَّزَ رأيه هو الآخر بأحاديث نبوية عدة، نكتفي بِذكر اثنين منها: "أفضل الجهاد، قول كلمة الحق عند سلطان جائر"، و "لا طاعة في معصية، وإنما الطاعة بالمعروف".
وهناك اتجاه ثالث، يرى أنه حتى لو عُرِف عن الحاكم مواقف تٌعدُّ بمنظور الشريعة الاسلامية كُفرًا بواحًا، فالأمر يستوجب اسقاطه ونزع السلطة من يده، ولكن من دون عنف وسفك دم. أتباع هذا الإتجاه أقرب إلى فرقة المرجئة المعروفة في ماضينا، بدعوتها إلى إرجاء الأمور إلى يوم الحساب، ومن هنا جاءت تسميتها. هذا الاتجاه ليس عاريًا هو أيضًا من سند ديني لموقفه، وجده في أحاديث نبوية منها: "من حمل علينا السلاح فليس منا". وفي رواية أخرى: "من سَلَّ علينا السيف فليس منا".
والنتيجة، أننا نكاد نكون الشعوب الوحيدة على وجه الأرض التي ما تزال تشقى بإشكالية السلطة السياسية، منذ خمسة عشر قرنًا. فلم يعرف العرب خلال هذه القرون طريقًا لنقل السلطة السياسية غير التوريث أو الانقلاب. وما نزال نُحكم بمبدأ "أسيادكم في الجاهلية أسيادكم في الإسلام"، منذ سقيفة بني لاختيار خليفة النبي بعد وفاته وحتى كتابة سطورنا هذه.
الحل الذي لا حل سواه، الديمقراطية بركنها الرئيس، أي التبادل السلمي للسلطة. وأنت صديقنا القارئ، ما رأيك؟
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |