|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

سليم يونس الزريعي
2025 / 9 / 22
هناك البعض إما عن جهل معرفي، أو سوء نية متعمد هدفه التضليل، يمارس الخلط بين مفهومي المقاومة والحوامل، أي بين الثابت اتي هي (المقاومة) والمتغير التي هي (الحوامل).
ذلك أن الحوامل التي هي الأشخاص الطبيعية والمعنوية ليست هي المقاومة، كون المقاومة هي:
فعل تحرري مشروع يتأسس على رفض الاحتلال والاستعمار، و وحالة رفض تاريخية وقانونية وأخلاقية الاستجابة لشرط الإخضاع.
ولأن شرط وجودها هو في كونها نقيض للاحتلال ونفي له، فهي تتسم بالثبات والديمومة طالما استمر الاحتلال. وخي تتكئ في ذلك على الشرعية الدولية (حق تقرير المصير). والبعد الوجودي، الذي يعني؛ أن المقاومة ليست خيارًا تكتيكيًا بل شرط حياة للشعب.
والقاومة بهذا المعنى، ليست ظاهرة قائمة بذاتها، وإنما هي استجابة فعلية أو قولية أو سلوكية، ذات طابع إيجابي أو سلبي، تنشأ نتيجة باعث أو مؤثر محدَّد. فهي ليست حالةً مجردة، بل هي أثر ناتج عن سبب سابق. وتظهر المقاومة عبر أدوات ووسائل متنوّعة، مثل الفعل المباشر، أو التعبير اللفظي، أو أنماط السلوك الأخرى، مما يجعلها نتاجًا لحاملٍ فاعل يُجسّدها ويُعبّر عنها.
أما مفهوم الحامل: فهو يتعلق بالفاعل الاجتماعي او السياسي او الثقافي الذي يملك الشرعية والقدرة على تسخير الأدوات.
وهو أيضا البنية التنظيمية أو الفاعل الفردي أو الجماعي الذي يُفعّل الأداة ويحوّلها إلى ممارسة. لكنها هي المتغير التاريخي، ارتباطا بجملة العوامل الذاتية والموضوعية وشرط اللحظة في الزمان والمكان.
وتتوزع الحوامل بين الحامل الشعبي: التي هي الجماهير، الأفراد العاديون، الفلاحون، العمال، الطلبة.
والحامل الفصائلي: التنظيمات المسلحة أو السياسية (مثل فصائل المقاومة الفلسطينية). والحامل المؤسسي: الأحزاب، النقابات، الجمعيات، مؤسسات المجتمع المدني.
وأيضا الحامل الثقافي: الأدباء، الشعراء، الفنانون، الأكاديميون.
والدبلوماسي – القانوني: السلطة السياسية، الممثليات، الجاليات.
والحامل الخارجي (الداعم): الشعوب المتضامنة، الحركات التحررية، المنظمات الحقوقية الدولية.
ولأن الحوامل هي: الوسائل والتنظيمات التي تحمل مشروع المقاومة وتُمارسه في الواقع. فهي تتغير وفق الظروف (عسكرية، سياسية، ثقافية، إلكترونية…).، بل قد تمرّ بدورات: نشوء – صعود – ذروة – شيخوخة – تجدد.
ولما كانت المقاومة هي الجوهر الثابت، فإن فشل الحوامل لا يعني موت المقاومة، بل يستدعي حوامل جديدة، وإعادة إنتاج أدوات جديدة (من الكفاح المسلح إلى المقاومة الشعبية، من العمل الفصائلي إلى الحركات المدنية، من النضال المحلي إلى تدويل القضية…).
وتخبرنا تجربة المقاومة على امتداد قرن من الصراع مع المشروع الصهيوني، أنها بقيت عبر تجليات مختلفة فيما تغيرت الحوامل ارتباطا بالعاملين الذاتي والموضوعي والشرط التاريخي.
فمن الثورة المسلحة في الستينيات والسبعينيات .إلى الانتفاضة الأولى (مقاومة شعبية). ثم الانتفاضة الثانية (مقاومة مسلحة وشعبية معًا). إلى أشكال المقاومة الرقمية والقانونية اليوم.
الشاهد يقول إن المقاومة شرط تاريخي ثابت ما دام الاحتلال قائمًا.
في حين أن حوامل المقاومة التي الممثلة في القوى والفصائل والحركات، هي ظاهرة متغيرة تخضع لعوامل القوة والضعف، النشوء والشيخوخة، لكنها ليست هي المقاومة ذاتها، بل مجرد تجلّياتها المرحلية.
وهنا يحب التذكير بدور العاملين الذاتي والموضوعي في تحديد شكل المقاومة وحواملها، ففي لحظة ما، قد تكون الحجارة هي أداة المقاومة المركزية (الانتفاضة الأولى). وفي لحظة أخرى، قد تكون العمليات المسلحة أو المقاومة الإلكترونية أو التحرك القانوني والدبلوماسي. لكن الجوهر واحد: المقاومة فعل ثابت، فيما أدواتها تخضع لتغير الظروف.
وعلى هذا الأساس يمكن القول إن الظروف الذاتية والموضوعية تحدد لكل مرحلة طبيعة حوامل المقاومة، لكن هذه الحوامل، مهما اختلفت، تبقى تعبيرًا مرحليًا عن الثابت الجوهري: حق الشعب في التحرر.
ونخلص إلى القول إن المقاومة الفلسطينية ليست حالة جامدة، بل مشروع تاريخي متجدّد؛ قوامه ثوابت الهوية والحق، ووسائله أدوات وحوامل تتبدّل وفق شروط الزمان والمكان. هذا التفاعل الجدلي هو سرّ ديمومة المقاومة وخلودها.
ويتضح من التجربة الفلسطينية الممتدة على قرنٍ من الزمن أنّ المقاومة ليست خيارًا عابرًا، بل شرطًا وجوديًّا تفرضه حالة الاحتلال الطارئة بالمعنى التاريخي أمام ديمومة ثبات الشعب وتجذّره في أرضه. إلا أنّ طبيعة هذه المقاومة، من حيث شكلها وأسلوبها، تتحدد دائمًا بتفاعل جدلي بين الظروف الذاتية (وعي الشعب، قدرات التنظيمات، الوحدة أو الانقسام) والظروف الموضوعية (الموقف الدولي، البيئة الإقليمية، التطور التكنولوجي، الدعم الخارجي). ومن هذا التفاعل تنبثق حوامل المقاومة المتجددة وتتكامل، وفق معطيات أسلوب المقاومة، المحكومة بشرط اللحظة في الزمان والمكان، من البندقية إلى الحجارة، ومن الكلمة إلى الفعل. حتى النصر.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |