ومضة ضوء: سياسيون وإعلاميون يعرقلون السلام لدعم نظام سلطوي.

محمد سعد خير الله
2025 / 9 / 20

على مدى عقود، فرض النظام العسكري السلطوي في مصر سيطرته الكاملة على المجال العام بأسره، وكانت السياسة والإعلام في طليعة المشهد بطبيعة الحال، في نمط يتكرر جيلًا بعد جيل دون أي تغيير حقيقي. وقد أسفر هذا عن هالةضخمة من الخواء، نتيجة مباشرة لهذه السيطرة.

وبما أن الإعلام مرآة المجتمع، فقد تجلّى هذا الخواء على الشاشات العامة والخاصة، بما في ذلك تلك التي تدّعي الاستقلالية. فقد تحولت كل البرامج إلى منصات لترديد الشعارات الفارغة، بدل أن تكون مساحة للحوار العقلاني.

وفي كل مرة يظهر فيها صوت مختلف، يُهمّش أو يُشوّه أو يُسحق تمامًا. والنتيجة: مصر بلا حياة سياسية بكل معنى الكلمة، ومشهد إعلامي يتغذى على الكراهية والعداء للآخر، ويكرر بلا توقف روايات بالية عن مؤامرات وهمية لن تنتهي أبدًا.

هذا المقال محاولة موجزة لتشريح شخصيتين يقدمان نفسيهما كمستقلين في السياسة والإعلام، لكن في الواقع يقدّمان خدمات جليلة للنظام الحاكم، سواء عمدًا أو بدون قصد. في كل الأحوال، أصبحت أسباب وضعنا الحالي واضحة تمامًا، ربما حتى للجنين في بطن أمه، وظاهرة بوضوح على قارعة الطريق. هذه الفقرة القصيرة كانت كاشفة تختزل حقيقة “الخواء المرعب” الذي نهش مصر لعقود طويلة.

وفي أقل من دقيقة ونصف، تكشف بوضوح النتائج الكارثية للتردي الذي أصاب المشهدين السياسي والإعلامي بعد ثلاثة وسبعين عامًا من نظام الحكم القائم.

الضيف الناصري، الذي يقدم نفسه ككاتب صحفي، فشلت فشلًا ذريعًا في العثور على أي أرشيف مهني له ، وكأن الكتابة أصبحت مهنة لمن لا مهنة لهم. وقد طالب بمزيد من التطرف على كلمات الرئيس المصري المتطرفة أصلاً خلال القمة العربية-الإسلامية الطارئة الأخيرة في الدوحة، حيث تم وصف السيسي إسرائيل بالعدو لأول مرة منذ توقيع معاهدة السلام بين البلدين في 26 مارس 1979. وأضاف متباهياً: “لو كنت المسؤول، لما تجاوزت إسرائيل في هذه الحرب”، ردًا على سؤال حول ما كان سيفعله لو كان رئيسًا أو مستشارًا للسيسي.

أما المضيف، الإعلامي ذو التوجه القومي، المتخرج من مدرسة “صوت العرب” على خطى أحمد سعيد وزينهم البدوي وسعد زغلول نصار، فقد مارس المهنة لعقود طويلة. وللإنصاف، يدير معظم لقاءاته بمهارة وكفاءة، إلا أن مجرد ذكر إسرائيل يحوّله فجأة إلى مشجع أو “مسوّق سياسي للمهرجين والمخبّلين”. وقد صمت تمامًا أمام ضيفه، متخليًا عن أبسط واجب مهني يتمثل في عرض الرأي الآخر، كما لو يقول: “أنت تتحدث عن دولة نووية حولت بكبسة زر حزب الله إلى جزء من الماضي، وما تبقى من ميليشياته لا يفعل سوى البكاء على الأطلال. وقد حيّدت إيران إلى حد كبير وأخرجتها من المعادلة الشرق أوسطية بعد حرب لم تدم سوى اثني عشر يومًا، بينما واصلت القتال على جبهات أخرى ضد الحوثيين، ألحقت بهم خسائر فادحة في اليمن. بالإضافة إلى ما قامت به وتواصل فعله بحماس في غزة.”

هنا تحضرني واقعة شخصية رويتها مرارًا، لكنها تختزل المشهد كله. قبل سنوات، كنت في إحدى العواصم الأوروبية الكبرى، وتلقيت دعوة للغداء في منزل صديق يشغل منصب مستشار لحكومته في شؤون الشرق الأوسط. وخلال الحديث، استأثر الوضع في مصر بالقسم الأكبر من النقاش. فاجأني قائلاً إنهم يعرفون عن فساد ومساوئ وكوارث النظام العسكري السلطوي أكثر بكثير مما يعرفه الساسة المصريون أنفسهم. فسألته بدهشة: "ولماذا تدعمونهم إذن؟"

فأجاب: "لأن من يقدمون أنفسهم كبدائل للنظام العسكري هم في حقيقتهم مجرد مهرجين ومراهقين سياسيًا. لا يمكن لعاقل أن يراهن عليهم في دولة بهذا الموقع الاستراتيجي وسط إقليم يعج بالحروب والصراعات. الأمور لا تحتمل المزيد، لذلك ليس أمامنا سوى دعم الجنرالات."

سألته: "إلى متى؟"
فقال: "حتى تظهر مجموعة قادرة على مخاطبة العالم الحر بلغته، كأنها جزء أصيل منه، تمتلك القدرة على الإضافة والبناء لا على الهدم والخراب، وتستطيع كل الأطراف أن تثق بها ."

ربما بسرد هذه الواقعة أكون قد أجبت عن سؤال هام وحساس“يُحظر طرحه داخل جمهورية العساكر”: لماذا يدعم النظام العسكري السلطوي، بشكل مباشر أو غير مباشر، كل أصحاب الخطابات الحنجورية الذين يعبدون الأصفار المقدسة ويعملون ليل نهار بتفنن في ضخ أدرينالين الكراهية والتحريض في الغدد الجمعية للمصريين،لإخراجهم من الجماعة الإنسانية وتحويلهم إلى قطعان من الزومبي؟


وفي الوقت نفسه، يبطش العساكر بأنصار السلام؛ بدءًا من اعتقال أغلبية أعضاء حركة أنصار السلام المصرية عام 1952، والتنكيل المروّع بيوسف حلمي، مرورًا بما حدث مع العظيم طه حسين، معلم الأمة، ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ، أديب نوبل، واغتيال فرج فودة، والوفاة المريبة لأمين المهدي في 11 أكتوبر 2020 بعد خروجه من المعتقل بأيام، وصولًا إلى ما نال كاتب هذه السطور، العبد الفقير إلى الله، من فصل من عملي، وتعقّب مستمر، وإرعاب متعمد، مما اضطرني إلى الخروج إلى المنفى في أبريل 2018.

حينها قال لي معلمي وصديقي، المفكر الاستثنائي أمين المهدي: "يا محمد، الجريمة الكبرى التي لا ولن يغفرها النظام المصري هي أن يتحدث أي ناشط سياسي أو اجتماعي عن السلام مع إسرائيل بشكل إيجابي. تلك كارثة الكوارث. امشِ يا محمد، العساكر لن يسجنوك… سيقتلونك." لم أكن يومها مستوعبًا تمامًا لما يقوله، لكنني أدركت ذلك وأكثر بعد سنوات من الخروج، ومن واقع تراكم التجارب.

كلمة أخيرة: ما دام هذا هو الخطاب السائد، ستظل مصر محكومة بالعسكر. وفي أفضل الأحوال، قد يضحّون بـ"ترس" حالي، كسيسي مثلًا، ليستبدلوه بآخر، حفاظًا على بقاء الماكينة العسكرية السلطوية المتوحشة التي تتحكم في مصير مصر.

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر