|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

الهيموت عبدالسلام
2025 / 9 / 19
وأنت تتصفح هذا السّرب الطويل من الصور والكلمات والصراخ ، تقرأ في التغريدة الأولى إن الحروف ليست بريئة كما نتوهم، بعضها يلمع كخيط ذهب في عتمة الطريق، يمنحك الأمل كما لو أن العالم ما زال طريّاً لم تُفسده يد الخراب والزيف، تقرأ جملة واحدة تجعلك تنهض وتقف من جديد، كجذع شجرة أيقظته شمس الفجر بعد ليل عاصف، جملة تجعلك تهمس لنفسك: انهض ما زال في الحياة متّسع لفعل شيء، لقول كلمة، لرفع الرأس في وجه الريح.
لكن ما أن تنتقل لتغريدة أخرى حتى تلتقي بأقلام وأصوات تعرف كيف تُطوّق القلب بالحديد، وتُلبس الروح سلاسل من طاعة عمياء، كأنها تُعيد كتابة طقوس العبودية في نسخة عصرية، كلماتها لا تُعلّمك سوى الركوع، ومُقدّر لك أن تنحني إلى الأبد ، هي كلمات كأصداف فارغة لا تسمع فيها سوى صخب الاستعباد ، تنسج من كل حرف سلسلة، و تبني من كل جملة سجنا، تجعل من الخنوع موسما ومن الاستسلام طقسا مقدسا.
ثم يطلع من قلب الصفحة صوت شامخ، يذكّرك أن النُبل لم يمت كلّه، وأن الشهامة لم تُرحّل بعد إلى المتاحف، كلمات من طراز الجبال: صامتة في حضورها، مهيبة في وقفتها، تقرئك أن الشموخ أبلغ من ألف خطاب كاذب.
ثم تنزل إلى القاع لتجد تغريدة ، لا تكتفي بأن تُقيّدك بل تُعلّمك طقوسَ الخضوع على وقع طبول البلادة، لغتها تصقل السلاسل وتلمع الصدء، تُعرّفك على فنون رفع الراية البيضاء كما لو أنها حرفة تُدرَّس بالترتيب: أول دروسها كيف تخفض العين بسرعة، ثانيها كيف تبتلع الكرامة في لقمة، ثالثها كيف تُعلّب الوعي ليستقر في الرفوف رخيصاً، رخيصة كما هو كل خطاب مَهين له زبناؤه وأسواقه حيث تُباع الضمائر بالتقسيط وبالجملة.
وفي ركن آخر تلمع تغاريد أخرى ، تصدح باسم فلسطين، لا تكتب بتصنع وحذلقة زائفة ، بل تنقش النور على صدر الحجر، ،تُبشر بالانتصار كما يبشر بالربيع بعد شتاء طويل، تُعلم الصمود كما يُعلّم الجبل صخوره الصبر على زلازل الزمن، كلمات تمنح الحروف صلابة السلاح ، و تسقي الأمل من منابع الذاكرة والتاريخ، صارخة إن الحرية ليست وعودا للتسوَُق بل أرضا تُسترد بالعرق والدم والإصرار.
فلسطين أَرض تنزف دما ودموعا، وَشعب يبني بأظافره جبهة أَمل فوق صخرة الألم.
أن تغرد لفلسطين ليس حرفا على شاشة ، بل هو رصاصة تثقب جدار الصمت العالمي، تجعل كلماتك دفاعات عن حق يتعرض لأَعنف معركة مسح في التاريخ ، هي بذرة عودة لتراب يسارع الآخرون لسرقته.
من يقرأ فلسطين قراءة مشتعلة يرى في كل بيت سلاحا وكتابا، ويرى على قسمات كل طفلة حكايةلحق مُغتصب، وعلى كل نخلةٍ شاهدة على زمنٍ كيف يغني المغني رحيلَ الغزاة،أما من يقرأها بعيون جبانة فيعلمك أن تبيع الحكاية بثمن زهيد .
تظل تتصفح وتتصفح ، وتقرأ ثم تقرأ وابلا من التغريدات، اختر التي تزرع فيك الكلمات شموخا وشهامة، أو تزرع فيك عُريَ الخضوع، اختر التي تزرع فيك بذور الأمل ووهج الحياة أو اتي تدخلك سوق النخاسة الحديثة ،سوق لاتباع فيه الأجساد فقط تباع فيه الضمائر والأرواح بقطع نقود زائفة.
وهكذا ستبقى تنتقل كل ساعة بل وكل دقيقة بين تغريدة وأخرى كمن يقفز بين جنة وجحيم، بين قناديل تضيء دربا وبين أقفاص تُكبّله، بين من يزرع في القلب موسماً من الربيع، ومن يُسقط عليه بردا كالصقيع، قراءة التغريدات ليست مجرد تقليب أوراق أو تصفح صفحات، بل هي سفرٌ في طبائع البشر،منهم من يُعطيك جناحين، ومنهم من يُحاول أن يَقصّهما بمقصّ الكلمات، من يفتح نافذة على الأفق ومن يغلقها بجدار من العتمة ، ومنهم يبني بحرف واحد قصرا من الأمل، ومنهم بكلمة سامة يحاول أن يهدم الصرح كاملا ، و منهم يكتب فترى النبض في السطور ،ومنهم من تسمع سوى صدى الصمت والفراغ ، منهم من يلقمك رغيف الفكر الذي لا يتخم البطون بل الذي ينير الدروب و منهم من يتقيأ فتات الفكر الذي يحمل في طياته سلسلة القيود ورائحة التاريخ الذي لا يتغير ،الفكر الذي يعيش في قفص الماضي و يرفض أن يتنفس هواء الحاضر ، إنه سجن العقل والروح.
يقول نيلسون مانديلا في اقتباس أصبح تغريدة عالمية
"لا يولد إنسان وهو يكره إنسانا آخر بسبب لون بشرته، أو أصله، أو ديانته… الناس يتعلمون الكراهية، وإذا كان بوسعهم أن يتعلموا الكراهية، فيمكنهم أن يتعلموا الحب أيضا… لأن الحب أقرب إلى طبيعة القلب البشري من الكراهية"
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |