هل أنا يهودي مؤقت في السويد؟

محمد سعد خير الله
2025 / 9 / 16

إذا طلب مني أن أصف الخروج القسري من الأوطان، أصفه بأنه "جرح نازف لا يندمل أبدًا ويظل مصاحبًا للمرء طوال حياته". نعم، أنا أحد هؤلاء؛ ففي الأول من أبريل 2018، منذ سبعة أعوام وبضعة أشهر، اضطررت لمغادرة مصر إلى السويد لإنقاذ حياتي، كوني كنت معارضًا للنظام العسكري السلطوي الذي لا يزال يحكم حتى اليوم. منذ ذلك الحين وأنا أعاني، وكانت هذه المعاناة سببًا رئيسيًا لتعاطفي مع كل من يمر بهذه التجربة، بما في ذلك اليهود المصريون الذين تعرضوا للتطهير العرقي في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، حيث أُجبر نحو 85 ألف يهودي مصري من أصحاب المهارات العالية على الرحيل قسرًا. اليوم لم يبقَ في مصر سوى أقل من عشرة من يهودها.

بعد الأحداث الإرهابية في 7 أكتوبر 2023، تناولت في مقالاتي الاستقطاب المرعب وتأثيرات الصراع الإسرائيلي/الفلسطيني على أوروبا. أسمح لنفسي بالقول إن الكثير من خفايا هذا الصراع وتعنت الأطراف العربية منذ تقرير لجنة بيل البريطانية عام 1937، غائبة تمامًا عن الخطاب الأوروبي، وكأن هناك رغبة مبيتة في شيطنة إسرائيل واليهود. قدم الطرف اليهودي عشرات المبادرات للعرب، كلها رُفضت تباعًا. والسؤال: هل يعرف المجتمع السويدي هذه الحقائق؟

مؤخرًا، حذر رئيس الوزراء السويدي، أولف كريسترشون، من تصاعد الأعمال المعادية للسامية، مشيرًا إلى أن البلاغات عن جرائم الكراهية ضد اليهود ارتفعت بنسبة 360% بعد هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023 مقارنة بالعام السابق. وقال: «اليهود في السويد يشعرون بعدم الأمان في بلدهم، ولن نقبل استخدام صراعات الشرق الأوسط ذريعة للكراهية أو التهديد». وأكد أن الخطاب العدائي والمعادي للسامية ضد اليهود السويديين مرفوض تمامًا.

لكن لنكن صرحاء: صراعات الشرق الأوسط انتقلت بالفعل إلى كل ركن داخل السويد، وتبعات ذلك عبّر عنها تقرير المجلس الوطني السويدي لمنع الجريمة (Brå)، الذي أشار إلى ارتفاع معاناة اليهود، وأن نحو نصفهم بات يفكر في الهجرة، خصوصًا إلى إسرائيل. نحن أمام واقع قاسٍ، ومن المهم جدًا أن أنقل أصوات بعضهم؛ أن أسمع أنينهم وأقدمه لكم من خلال ثلاث شهادات مباشرة، لعلّها تسهم في تغيير الأوضاع. لقد توجهت إليهم وطرحت سؤالي عليهم.

ما هو رأيكم في التقرير الأخير الذي يصف "الوضع الحساس لليهود السويديين، حيث يفكر نصفهم تقريبا في السفر إلى الخارج"؟ وما دلالة ذلك بالنسبة لكم، وهل ترونه انعكاسًا لفشل الحكومة في التعامل مع المؤيدين والأنصار للجماعات الإرهابية مثل حماس وغيرها؟

قال " يائير ألسندر "وهو يهودي، يدير بودكاست صهيوني وناشط مجتمعي.

"يمكن بالطبع مناقشة الجوانب الأكاديمية للدراسة، لكن الادعاء بأنها لا تعكس أي واقع يحدث، ممكن فقط إذا كان الشخص منفصلًا عن المجتمع اليهودي السويدي أو إذا كان مدفوعًا أيديولوجيًا لإنكار هذه الحقائق. من يعيش في السويد اليهودية يعرف هذا؛ إنها محادثة متكررة. بعضهم يتخذ الخطوة.

كما أراه كأثر حتمي للتغيرات الديمغرافية التي حدثت في السويد. هذا هو السبب الرئيسي، إضافة إلى الوضع السياسي مع الصراع في الشرق الأوسط، الذي جعل التيارات المعادية للسامية، وخاصة بين من لهم جذور في الشرق الأوسط ومرتبطة بإسرائيل، تظهر إلى السطح بقوة كبيرة.

لم يكن بإمكان الحكومة إيقاف هذا بالكامل مهما فعلت، لكنها كانت تستطيع التعامل مع الأمر بشكل أفضل بكثير.

عندما تنخرط الحكومة في "انتقاد تمثيلي لإسرائيل" وتدعم العقوبات ضدها على مستوى الاتحاد الأوروبي، فإن ذلك يمنح مجالًا لحركة فلسطين/BDS.. هناك خط أحمر يمتد من أولف كريسترشون وحزب المحافظين إلى مورغان يوهانسون والحزب الاشتراكي الديمقراطي، ثم إلى اليسار الراديكالي والحركة الفلسطينية، ومن هناك إلى الجماعات المؤيدة للعنف."

أما "أديل جوزيفي "وهي صحفية مخضرمة فقالت عبارات مغلفة بمرارة ظاهرة" ،أتفهم أولئك الذين
يرغبون في مغادرة السويد. أنا نفسي سأغادر أيضًا. نعم، أرى أن سياسيي السويد فشلوا لأكثر من عشر
سنوات."

وعندما سئل "دانيال آيزنبرغ "وهو رجل يهودي، يعيش في مالمو منذ ما يقرب من 70 عامًا"

"لم يهاجر الكثير بعد، لكن العديد لديهم ما نسميه "حقيبة عقلية" جاهزة في الخزانة، لاستخدامها إذا نشأت حالة مفاجئة يشعرون فيها بالحاجة للمغادرة. وليس هذا جديدًا، فقد ظهرت تهديدات صريحة ضد المجموعة اليهودية في السويد منذ منتصف ونهاية الثمانينيات من قبل مجموعات إسلامية وراديكالية معادية لإسرائيل ومعادية لليهود. وضعنا حراسًا عند الكنيس، في الجنازات، وفي مناسبات أخرى للجمعية اليهودية. ركّبنا زجاجًا مضادًا للرصاص والقنابل في نوافذ الكنيس. أحيانًا كان هناك شرطة مسلحة بـ K-pist خارج مباني الجمعية، وكان علينا المرور بهم عند ترك أطفالنا في الروضة اليهودية. إذن، هذا ليس جديدًا على الإطلاق.

كما كتب دانييل آيزنبرغ في مقال رأي: "هل أنا يهودي سويدي أم مجرد يهودي يعيش في السويد؟ حيث أعيش لأنني ولدت هنا وبقيت هنا خلال أول 50 عامًا من حياتي. لكن بقية حياتي؟ أين سأعيش لاحقًا؟ لكي لا أشعر بعدم الأمان والخوف على حياتي وحياة عائلتي."

أما بالنسبة لي، فقد عشنا في السويد منذ هروب عائلتنا من المجر عام 1956، وبعد عامين حصلنا على فرصة للعيش في السويد. نشأت هنا وأنجبت أربعة أطفال وثمانية أحفاد. هل نحن يهود سويديون، أم مجرد يهود حصلوا على إقامة مؤقتة هنا، وبعضهم وُلد هنا أيضًا، دون أي ضمانات أو شعور بأننا سنتمكن من البقاء؟

في ختام هذا المقال، أجد نفسي أمام حقيقة مؤلمة: يقف تقريبًا نصف اليهود السويديين على مفترق طرق، يفكرون فيه مغادرة وطنهم، وقلوبهم مثقلة بالقلق والخوف. شهاداتهم تعكس واقعًا مريرًا، فهم ضحايا صراع غيبت فيه ثلاثة أرباع الحقائق، واستطاعت الجماعات والحركات الإسلامية الإرهابية، بمساندة بعض التيارات اليسارية في أوروبا وأمريكا والعديد من البلدان، أن تصنع "خلطة متكاملة من الأكاذيب وقلب الحقائق والتدليس" لخدمة حركة حماس، التي يعلن قادتها من حين لآخر بوضوح أن أسمى أهدافهم هو "محو وإزالة إسرائيل من خريطة العالم".
عار علينا جميعًا أن يدفع اليهود السويديون فاتورة صراع تريد بعض القوى أن يبقى أبديا ، بحسب نصوص دينية من القرآن والسنة والسيرة النبوية. إن هذا المقال صرخة من مواطن جذوره من الشرق الأوسط يعرف الحقيقة، فهل ستصل هذه الصرخة، أم ستتبدد في رياح سممت بفعل فاعل ؟؟

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر