أفكارٌ بسيطةٌ غيرَ مُلزمة لأحدْ ..( 61 )

زكريا كردي
2025 / 9 / 15

تدور هذه المرة حول معنى الخيال ودوره
-------------------------------------
نعم ، الخيال هو نافذتنا الذهنية والنفسية إلى ما وراء المُمْكن ، حيث تنكسر معه حدود الواقع ، و تتولّد عبره الأفكار والصور والحلول الجديدة، التي بإمكانها أن تغيّر شكل العالم ، و ربما مجرى التاريخ برمته ..
لكن الخيالات - في تصوري - ليست واحدة ..
فكم من خيالات مُبدعة ، أعادت تشكيل الألم إلى فن، وكم من خيالات مهلكة صيّرت الفراغ إلى حلم، و كم منها صنع من الرتابة مغامرة لاتنسى، و كم منها أتى على اهله بكوارثٍ مُميتةٍ، لا تحمد عقباها ...
أنا أعتقد - ولست جازماً - بأن الخيال لا يجب أنْ يهرب بنا من مواجهة الحقيقة ، أو يُغيّبنا عن إدراك حقائق الواقع وحوادثه ، بل مهمته الفضلى - في تقديري- هي مساعدتنا على إمتلاك أدوات مبتكرة ، لفهم الحياة والواقع ، بعمقٍ جديدٍ، وأسلوب أكثر فعالية ..
وإن لم يفعل ، فنحن مصابون إذاً ، بما يُسمى بـ" الخيال المريض".
و الخيال المريض هو ذلك النوع من التصور الذي ينفصل عن الواقع، ويغذي الأوهام بدلاً من الطموحات..
- و حين تتبنّاه أمّة جاهلة متأخرة حضارياً ، يُصبح هذا الخيال لديها ( شمّاعة )، أو أداةً لتبرير هروبها من مواجهة الحقيقة ، و عذراً حاضراً للفشل الذي تحياه ، ومجالاً لتغليف عجزها المُزمن ، وتدهورها العقلي بغلافٍ من الكبرياء الزائف..
- و بهذا تظن بعض الأمم المتخلفة، أنّها قادرة على الانتصار على غيرها من الأمم المتقدمة، فقط : لأنها تؤمن بذلك النصر ،
مُستندةً في ذلك إما إلى فكرٍ غيبي، او تاريخ مكذوب، أو خطاب حماسي عقائدي ، صنعه لها - غالباً - العدو ذاته ).
مُتناسيةً تماماً ـ أن الإيمان وحده لا يبني المصانع، و أنّ الورع لا يُطوّر العلوم ، و الدعاء الصادق لوحده، لم ولن يخلق حضارة أو يقتل فيروساً واحداً يعصف بها ..
- للأسف الشديد ، هذا الخيال المريض إذا تفشى في أمة ما ، جعلها تعيش في وهم القوة ، بينما هي عاجزة عن إنتاج المعرفة واسباب العلم وبناء القوة أو حتى حماية كرامة الإنسان فيها .. على عكس عدوها المفترض الذي يمتلك كل هذا وأكثر .. و بتمتع بكل فضائل ومنجزات العلم والتعليم و النقد و الخيال السليم ..
- الخيال السليم الذي يدفع بالمرء نحو التقدم ، أما الخيال المريض فيُغرق صاحبه في أحلام يقظة لا تُثمر إلا الخيبة والسقوط أكثر فأكثر نحو الهاوية.
قصارى القول :
- الأمم المتقدمة لن تنتصر لأنها تتوهم ذلك ، بل لأنها تعمل ، تنتقد وتتعلم ، وتُراجع نفسها باستمرار، وتستفيد من أخطائها ..
- أما الأمم التي لايميزها الا الشعر والخطابة وعلو الصراخ والصوت ، التي تكتفي بالشعارات الحماسية ، والحملات الدعائية، وتتفاخر منذ قرون بالعنعنات الدينية ، وتُعادي علوم العقل والفلسفة ,,,
فهي كمن يحارب الشمس بالظلال، ويريد ان ينتصر على الأخر والواقع بالقيل والقال .. أو يظن أن كلما زاد من الصراخ صار أعلى من الحقيقة.
غير مدرك بأن الخيال المريض لا يصنع للتقدم عهداً ولا مجداً ، بل يكرّس الهزيمة تلو الهزيمة ، ويجعل صاحبه يحيا في ثوب الغرور المميت، و استمراء الجهل المقدس القاتل له بصمت تام ..دون أي علم منه.
الحمد لله على نعمة العقل والخيال السليم .
zakariakurdi

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر