الله والشرير مسألة الشر بين العقل والعاطفة: قراءة في كتاب المطران د.يوسف توما

قحطان الفرج الله
2025 / 9 / 14

الله والشرير
مسألة الشر بين العقل والعاطفة:
قراءة في كتاب المطران د.يوسف توما


مسألة الشر من المسائل المعقدة فلسفيًا ودينيًا وحتى عاطفيًا، فهي من هواجس الإنسان وتساؤلاته الفلسفية الدائمة، كما أنها من مثيرات عقله تجاه إيمانه الفطري. فالسؤال عن الشر يثير مخاوف الإنسان في تجنّب الوقوع فيه، سواء من حيث الفعل أو التحمّل، أو من حيث اعتباره عقوبة للخلاص من الذنب. ومن هنا تبرز الأسئلة القديمة الجديدة: ما هو الشر؟ ومن خلقه؟ ولماذا يوجد أصلًا؟
من هنا ينطلق المطران الدكتور يوسف توما في رحلة ممتعة لتتبّع الإجابة عن هذه الأسئلة، بطريقة بسيطة بعيدة عن التعقيد والتعالي الفلسفي، وبأسلوب قريب من لغة الصحافة الفكرية المميزة. فهو يذكّر بأن “مسألة الشر تكثر فيها الأسئلة وتقل فيها الأجوبة، لأن الشر بذاته سؤال يفلت من جميع تساؤلاتنا وأجوبتنا، ويصعب الإمساك به أو تحديده بدقة: من أين يأتي الشر؟ ولماذا الشر؟ وكيف يحدث الشر؟ لقد طرح البشر هذه الأسئلة منذ القدم…
إن الشر لا يمسّنا في عقولنا فقط، بل في عواطفنا وأحاسيسنا أيضًا، ولهذا نحاول أن نجد له مبررًا لكي نرتاح أو نتعوذ منه فنهرب”.
يعالج الدكتور توما في كتابه عدة مسائل محاولًا الإجابة على هذه الأسئلة، ولا سيما في الفصل الأول الذي يعدّ واسطة العقد، إذ طرح فيه فكرة مسألة الشر بين العقل والعاطفة. وقد فرّق بحكمة ودراية بين المنطق العقلي المبني على الأدلة والأحكام المنطقية، وبين الإيمان الذي يقوم في كثير من مناحيه على العاطفة والسكينة النفسية. كما رسّخ المؤلف العديد من المفاهيم اللاهوتية المأخوذة من الكتاب المقدس بأسلوب عرض فريد وجميل خالٍ من الغموض.
إن أقدم التساؤلات حول الشر يكمن في السؤال: من خلقه؟ وإذا كان الله خالق كل شيء، أليس مسؤولًا عن وجود الشر؟ وهنا يبدو أن الله يقف في أول صف المتهمين! لكن يوسف توما يطرح منهاجًا مغايرًا للتفكير في الرد، إذ يقول: “كل هذه الانتقادات –وهي أقرب أحيانًا إلى السخرية– لا تتوجّه إلى الله، بل إلى فكرة الله التي نحملها نحن البشر، مؤمنين كنا أو غير مؤمنين. إنها فكرة مسبقة، وفيها تلعب الحساسية دورًا كبيرًا. فالمسألة في حقيقتها صرخة الإنسان المتألم، حتى وإن كان صراخه مهينًا أو غير منطقي، فإنه يريد أن يقول شيئًا ما لكي يرفض.”
من هنا يصبح الرفض ليس كفرًا ولا جحودًا، بل محاولة لرفض الخلط بين الله والشرير. لذلك نستحضر قول زوجة أيوب المبتلى حين قالت له: “جَدِّف (أكفر) على الله ومت” (أيوب 2:9)، فجاء تعليق يوسف توما العميق: “برد قلبك”. وهنا يبرز التمييز بين طبيعة الله ووجوده؛ وهي فكرة لاهوتية، لكنها مقبولة عقليًا أيضًا. فليس المطلوب الدفاع عن الله، لأنه ليس متهمًا –كما يقول المثل: من يعتذر متهم– بل المطلوب أن يكون موضوع تأمل وإصغاء. فبدل أن ينشغل المؤمن بالدفاع عن الله، عليه أن يتحلّى بالشجاعة ويسأل الله، لا كخصم بل كشريك في البحث عن المعنى.
ومن خلال هذا التوضيح الذكي، يؤكد يوسف توما أن مسألة الشر هي في جوهرها مسألة إنسانية. وعندما نطرحها على الله، فإننا نسائل أنفسنا: أي إله نقصد؟ أإله الفلاسفة أم إله المؤمنين؟ الإله القائم بذاته أم الله معنا؟ وإذا افترضنا أن الله مسؤول –مباشرًا أو غير مباشر– عن الشر، فإما أنه يريد الشر، أو لا يستطيع إيقافه، وفي الحالتين لا يكون هو الله. فالله لا يمكن إلا أن يكون صالحًا وطيبًا ونافعًا.
هذا الطرح يعيد إلى الأذهان ما ذهب إليه عدد من الفلاسفة؛ فأفلاطون اعتبر الشر نقصًا في الخير، وأوغسطينوس رأى أنه ليس جوهرًا مستقلًا بل فساد الخير، أما ابن سينا فأكد أن الشر عَرَضيّ لا ذاتيّ، والغزالي شدّد على أن ما نراه شرًا قد يكون جزءًا من نظام أوسع تحكمه حكمة خفية، بينما ذهب كانط إلى أن الشر متجذّر في حرية الإنسان، وسارتر اعتبره نتيجة مباشرة لاختياراتنا، فالإنسان “محكوم عليه بالحرية”.
ويخلص يوسف توما إلى أن الشر ليس له وجود حقيقي قائم بذاته، بل هو مجرد غياب للخير. كما أن الظلام لا يملك كيانًا خاصًا بل هو غياب النور، وكما أن الصمت ليس شيئًا بحد ذاته بل توقف الكلام، والعمى ليس وجودًا مستقلاً بل غياب البصر، كذلك الشر ليس سوى ثغرة في حضور الخير.
وهنا تكمن أهمية الكتاب: أنه لا يقدّم أجوبة جاهزة، بل يضع القارئ أمام الأسئلة نفسها بشجاعة ووضوح، داعيًا إياه إلى أن يجعل من الشر موضوع تأمل لا موضوع اتهام. فالشر يظل لغزًا لا يملك العقل البشري حسمه، وكل محاولة لفهمه إنما هي خطوة نحو مواجهة قسوته بالوعي، والبحث عن المعنى في مواجهة التجربة الإنسانية المؤلمة. وهكذا يصبح الشر، في نظر يوسف توما، ليس نهاية الطريق، بل بداية السؤال الذي يقود إلى أفق أرحب من الرجاء.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي