زياد جيوسي...مسيرة فكربة و نقدية لافتة

البشير عبيد
2025 / 9 / 13

زياد جيوسي..مسيرة فكرية و نقدية لافتة

البشير عببد - تونس

رحيل الكاتب والناقد الفلسطيني الأردني الكبير زياد جيوسي يشكل فراغًا هائلًا في المشهد الثقافي العربي والفلسطيني، فهو كان صوتًا فريدًا يمتلك القدرة على الغوص في النصوص بعمق وفهم ما وراء الكلمات، ليكشف الدلالات الخفية ويبرز المعاني التي تختبئ بين السطور. جيوسي كان يتمتع بحدس ثقافي ونقدي استثنائي، يمكّنه من قراءة النصوص ضمن سياقها الاجتماعي والسياسي والتاريخي، وهو ما جعله مرجعًا لكل من يسعى إلى فهم الأدب الفلسطيني والعربي في أبعاده المختلفة.
مسيرته الممتدة عبر عقود من الكتابة الفكرية والنقدية شكلت علامة بارزة في تاريخ النقد العربي المعاصر. فقد جمع بين المعرفة الأكاديمية والثقافة العامة، بين الحدس الإبداعي والدقة التحليلية، ليقدم مقالات نقدية متعمقة تستوعب النصوص من جميع الزوايا، وتسلط الضوء على الرموز والدلالات التي قد يغفل عنها كثيرون. كان أسلوبه النقدي مزيجًا من الوصف الدقيق والتحليل العميق، حيث لا يكتفي بالكشف عن جماليات النصوص، بل يربطها بالواقع، بالتاريخ، وبالتجربة الإنسانية التي أنتجت هذه النصوص.
كتب جيوسي مقالاته بأسلوب متوازن، يجمع بين الوصف والتحليل، بين التأمل والتفسير، وقدراته التحليلية العميقة جعلته قادرًا على نقل القارئ إلى تجربة معرفية متكاملة، تتجاوز حدود النصوص إلى فهم السياقات الأوسع التي أنتجتها. لم يكن النقد عنده مجرد تقييم، بل كان عملية تفكير مستمرة، وسبيلاً للتنوير، ودعوة للتأمل العميق في الإنسان والمجتمع والواقع.
كان جيوسي دائمًا صريحًا في آرائه، لا يخشى قول الحق، ولا ينحاز إلا للقيم والأفكار التي تؤمن بالعدالة الإنسانية والثقافية. وقد جعلته هذه المصداقية محل احترام الجميع، سواء من القراء أو الكتاب أو المثقفين، ليكون صوتًا صادقًا ومنيرًا في زمن كثرت فيه الأصوات ولكن قلّت منها الأصوات المتوازنة والعميقة. لقد تمكن عبر كتاباته من خلق مساحة للنقاش الراشد، بعيدًا عن الانحياز الأيديولوجي الجاهز، جامعًا بين الفكر النقدي والاستقلالية الفكرية، وهو ما جعله رائدًا حقيقيًا في مجاله.

شهاداته النقدية وإسهامه في فهم النصوص

ما يميز زياد جيوسي هو قدرته على قراءة النصوص بروح الناقد العميق، وفهم الرموز والدلالات التي تحملها الكلمات، مما جعله قادرًا على إصدار أحكام نقدية دقيقة وموضوعية، تعكس تقديره للكتابة المخلصة والصادقة. شهادته عن شعري، خاصة قصيدتي وحدهم في الأقاصي، كانت نموذجًا حيًا لهذه القدرة:
"هذه المقاطع من قصيدة وحدهم في الأقاصي للشاعر التونسي البشير عبيد صورت ببراعة إنكسار وتحطم حلم الوطن، فهناك تحولات كثيرة بدلت الملامح، فالرعاع صعدوا الى السلطة، وأبناء الأرض والوطن جرى تغييبهم، والشاعر تمكن من اسقاط الأسطورة على الواقع، فكان نص مكثف بلغته العالية الصوت، حفل النص بالدلالات والتأويلات، ببوح روح مفعم بالألم والأسى على الواقع الحالي، حيث يحاصر الحلم/ الوردة، ويجعلون الوطن مسرحا للخراب.. سلمت روحك شاعرنا الجميل."
هذه الشهادة النقدية لم تكن مجرد تقييم شعري، بل قراءة متعمقة للواقع، وفهمًا للرموز والدلالات التي حملها النص، وإقرارًا بدور الشعر في تصوير المأساة الإنسانية والسياسية. لقد أعادت لي هذه الشهادة الإحساس بالقيمة الحقيقية للنصوص، وأكدت أن الكتابة المخلصة والصادقة لها القدرة على التواصل مع أعماق الآخرين، حتى مع ناقد كبير وفذ مثل زياد جيوسي.
إضافة إلى ذلك، كان جيوسي يقدّم من خلال كتاباته النقدية إشارات دقيقة لفهم السياق الاجتماعي والسياسي للنصوص، فهو لا يرى الأدب بمعزل عن الحياة، بل كمرآة لعلاقات الإنسان ومجتمعه. كان يشدد دائمًا على أهمية أن يكون النقد متنبهًا للبعد الإنساني، متحليًا بالصدق، ومنفتحًا على الحوار، بعيدًا عن التعميمات أو الأحكام الجاهزة.

الوفاء والصداقة بين الكلمة والقلب

بعيدًا عن كونه ناقدًا بارعًا، كان زياد جيوسي صديقًا وفيًا، متواضعًا، رحيمًا، يمتلك قدرة على المزج بين الحكمة الإنسانية والقدرة النقدية. كانت محادثاتنا ومراسلاتنا اليومية مليئة بالحوار الصادق، والنقاش العميق، والاهتمام بالنصوص، والحرص على صقل المعنى والرسالة. لقد أثرت هذه العلاقة في طريقة كتابتي، وجعلتني أكثر وعيًا بأهمية الصدق في الكلمة، والالتزام بالقيم الفكرية والأدبية، في الشعر والمقالة على حد سواء.
على الرغم من أن علاقتنا امتدت لعامين فقط، فإن كل لحظة فيها تركت أثرًا عميقًا في ذاكرتي الأدبية والفكرية. فرحه بشهادته على غلاف كتابي القادم، وإشادته بأسلوبي في الكتابة، كان بمثابة اعتراف صادق بالمسار الذي أسلكه، وتأكيدًا على أن الموهبة وحدها لا تكفي، بل تحتاج إلى فهم حقيقي وإحساس بالمسؤولية تجاه النص والقارئ.
زياد جيوسي رحل جسدًا، لكنه سيظل حاضرًا في نصوصه، في كل قارئ يقدّر الكلمة الصادقة، وفي كل من عرفه وتفاعل مع نصوصه النقدية والفكرية. لقد ترك إرثًا خالدًا، صوتًا حيًا في الفكر والنقد، وصديقًا لا يُنسى، حاضرًا في كل زاوية من النصوص التي قرأها أو كتبها، وفي كل شهادة تركها وراءه.
زياد جيوسي.. الناقد والصديق، الذي رأى روحي في شعري، سيظل دائمًا مثالًا للالتزام بالكلمة، والوفاء للصداقة، والحرص على المعنى، رمزًا خالدًا في تاريخ الفكر والنقد العربي..هذا الرجل / الإنسان / المثقف الحر المستنير المثخن بجراحات الأمة العربية الطامحة للنهوض و التحرر القومي و الانعتاق الاجتماعي و تحرير فلسطين التاريخية من وباء و نازية الإحتلال الصهيوني الغاصب...هذا الكائن البشري المنتج للمعرفة و المشتبك مع الواقع العربي الغارق في الرداءة و الخنوع و الإنكسار...يمثل علامة فارقة في الثقافة الفلسطينية و العربية ..مختلف عن تفكير النخب" الباحثة على الدوام عن الغنائم و التموقع في الساحة الثقافية دون موهبة حقيقية أو إنتاج نوعي الفكر و المعرفة و الوعي التاريخي بقضايا المرحلة العربية الراهنة...
زياد جيوسي هو الكاتب و المثقف الموهوب و المشتبك مع الواقع بإمتياز دون مشاركة في المعارك الوهمية التي يشهدها المشهد الثقافي العربي في هذا الزمن الكئيب..

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي