|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
رياض الشرايطي
2025 / 9 / 13
حين انتهت الحرب العالمية الثّانية، خرج العالم بجراح عميقة وذاكرة مليئة بالمجازر والنزوح الجماعي. ملايين البشر هُجّروا من أوطانهم، ووجدوا أنفسهم محاصرين بين حدود مغلقة ودول ترفض استقبالهم. كانت التجربة المريرة للاجئين اليهود وغيرهم من ضحايا النازية دافعاً أساسياً لتوقيع اتفاقية جنيف لعام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، والتي نصّت على حق كل إنسان في طلب اللجوء عند فراره من الاضطهاد. لاحقاً، وسّع بروتوكول 1967 هذا الحق ليشمل أوضاعاً جديدة خارج أوروبا.
هذان النصّان القانونيان أسّسا لما يمكن وصفه بأحد أكثر الإنجازات الإنسانية تقدّماً في القرن العشرين: الاعتراف بأنّ حق الحياة والكرامة يتجاوز الحدود والسيادة الوطنية.
لكن ما كان ثمرة لمعاناة البشرية جمعاء، أصبح اليوم موضع استهداف من قِبل قوى صاعدة تتبنّى الشعبوية القومية والتمييز العرقي، وفي مقدمتها الولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب.
01/ المشروع الأمريكي: تضييق وإقصاء.
ما اقترحته إدارة ترامب لم يكن مجرّد "إصلاحات" إجرائية، بل إعادة صياغة كاملة للنظام الدولي للاجئين. أهم ملامحه:
قاعدة "البلد الأول": إلزام اللاجئ بطلب الحماية في أول بلد يعبره، ما يحوّل دول الجوار الفقيرة إلى مخيمات مفتوحة دائمة.
-اللجوء المؤقت: تحويل الحماية الإنسانية إلى إقامة محدودة المدة، تُسقط متى اعتبرت الدولة أنّ "الوضع في بلد اللاجئ الأصلي قد تحسّن"، حتى لو كان ذلك مجرد ذريعة سياسية.
-الانتقائية العرقية: بينما يُضيَّق الخناق على ملايين الفارين من سوريا واليمن وأفغانستان والسودان، تحدّث مسؤولون أمريكيون عن تسهيل إعادة توطين البيض من جنوب أفريقيا (الأفارقة من أصل هولندي). وهذا يفضح البعد العنصري الكامن وراء الخطاب.
هذا التوجه لا يختلف كثيرا عن منطق "أمريكا أولا"، لكنه في جوهره "الإنسان الأبيض أولا".
2/ الأرقام تتحدث: العالم في حالة نزوح.
بحسب تقرير المفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR) لعام 2022:
بلغ عدد النازحين قسرا حول العالم 103 ملايين إنسان.
من بينهم 32.5 مليون لاجئ عبروا حدود بلدانهم.
هناك أكثر من 53 مليون نازح داخليا يعيشون داخل حدود بلدانهم لكن بلا أمان.
يشكّل الأطفال نحو 40% من مجمل اللاجئين، أي حوالي 13 مليون طفل لاجئ.
الأهم أنّ:
76% من اللاجئين يعيشون في دول ذات دخل منخفض أو متوسط.
تركيا تستضيف أكبر عدد من اللاجئين في العالم: أكثر من 3.6 مليون سوري.
كولومبيا تستضيف حوالي 2.5 مليون فنزويلي.
أوغندا تستضيف أكثر من 1.5 مليون لاجئ، رغم أنّ دخل الفرد فيها أقل من 900 دولار سنوياً.
أما الولايات المتحدة، صاحبة أكبر اقتصاد عالمي، فقد استقبلت عبر برنامج إعادة التوطين الرسمي 25 ألف لاجئ فقط عام 2022. هذا الرقم يفضح حجم الهوة بين الشعارات والواقع.
3/ المأساة المستمرة: البحر المتوسط والحدود الأمريكية .
الهروب لا يتوقف عند الحدود ولا عند القوانين. وحين تُغلق الأبواب، يختار الناس طرق الموت على البقاء في الجحيم.
-البحر المتوسط: مقبرة مفتوحة :
منذ عام 2014 وحتى 2022، لقي أكثر من 25 ألف مهاجر ولاجئ حتفهم غرقاً في مياه المتوسط، وفق بيانات المنظمة الدولية للهجرة (IOM).
في عام 2021 وحده، قُدّر عدد الوفيات بحوالي 3,200 شخص أثناء محاولتهم العبور من شمال أفريقيا إلى أوروبا.
هذه الأرقام لا تعكس فقط حوادث عرضية، بل تكشف سياسات أوروبية ممنهجة تقوم على إغلاق الممرات الآمنة ودفع الناس إلى أحضان شبكات التهريب.
-الحدود الأمريكية-المكسيكية: موت في الصحراء :
وفق إحصاءات منظمة الهجرة الدولية، سجّل عام 2022 رقماً قياسياً بوفاة أكثر من 850 مهاجرا أثناء عبورهم الحدود الجنوبية للولايات المتحدة، معظمهم بسبب الجفاف والحرارة المميتة في صحراء أريزونا وتكساس.
هذا الرقم يجعل من الحدود الأمريكية-المكسيكية واحدة من أخطر مناطق الهجرة في العالم.
إذن، السياسات التي يُسوّق لها كـ"ردع للهجرة غير الشرعية" تتحول عمليا إلى سياسات قتل بطيء وممنهج.
4/اللجوء: قضية طبقية بامتياز.
لا يمكن فصل قضية اللجوء عن بنية النظام العالمي الرأسمالي. فالحروب التي تندلع في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا ليست مجرد صدف تاريخية، بل نتيجة مباشرة:
-للتدخلات العسكرية الغربية
-لنهب الموارد وفرض سياسات السوق الحر على دول ضعيفة.
-لتفاقم الفقر وعدم المساواة الناتج عن النيوليبرالية.
الهجرة، إذا، ليست "مشكلة" بل نتيجة. واللاجئ ليس "متطفلا"، بل ضحية سياسات هيمنة تفرضها نفس القوى التي ترفض اليوم استقباله.
5 / نحو بديل إنساني أممي.
إذا كان النظام الحالي للاجئين يعاني من أزمات، فإن الحل ليس في هدمه بل في تعزيزه. المطلوب:
-توزيع عادل للمسؤولية: إلزام الدول الغنية باستقبال حصص عادلة من اللاجئين.
-إنشاء ممرات آمنة: لضمان وصول اللاجئين إلى بر الأمان من دون أن يكون البحر المتوسط أو الصحراء مقابرهم.
-معالجة الجذور: وقف الحروب الإمبريالية، إلغاء الديون الكارثية على دول الجنوب، وتغيير سياسات التجارة العالمية التي تُعمّق الفقر.
-إطار أممي جديد تقدمي: يقوم على التضامن والعدالة لا على الامتياز العرقي أو الحسابات الأمنية.
إنّ محاولات إدارة ترامب لإعادة صياغة النظام الدولي للاجئين ليست سوى استمرار لمنطق الهيمنة والتمييز، وهي تهديد مباشر لإرث إنساني بُني على أنقاض الحرب العالمية الثانية. الأرقام وحدها تكفي لإثبات أنّ العالم أمام كارثة إنسانية، وأن التضييق على حق اللجوء لن يؤدي إلا إلى المزيد من القبور الجماعية على الشواطئ والحدود.
اللجوء ليس "منة" من دولة ما، بل حق غير قابل للتصرف. والإنسان، أيّا كان لونه أو دينه أو طبقته، يستحق أن يعيش بكرامة. وما يُطرح اليوم من سياسات تضييق ليس إلا محاولة جديدة لإعادة تقسيم البشر بين من "يستحق الحياة" ومن "يُترك للموت".
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |