أفكار بسيطة غير ملزمة لأحد ..( 59 )

زكريا كردي
2025 / 9 / 12

تدور هذه المرة حول : الطمأنينة الزائفة ..
أو لنقل : ( الراحة الذهنية... ثمنها الحقيقة )

كثيرًا ما يخطر ببالي سؤال : لماذا يتمسك الإنسان العادي بشدة بالأفكار السطحية المتداولة ، الخاطئة تماماً ، ويدافع عنها بعناد مُميت واستبسال أعمى؟
بالطبع لا إجابة تامّة لدي ، لكن رُبّما يكمن السبب ، في أن هذه الأفكار، حين تُقدَّم له على أنها حكمة موروثة ، أو معرفة مدروسة ، محاطة بهالة من الغموض والقداسة ، و منسوبة إلى عوالم مثالية غيبية ، و عقول علوية راحلة ، يُنظر إليها كرموز مصطفاة خارجة عن الواقع..
تكتسب - بالضرورة - لديه مكانة خيالية رفيعة ، وحصانة وهمية.. وقداسة غامضة محكمة ، لايُضارعها شيء. ..
ثم مع مرور الزمن ، تتعاظم هذه المكانة ، خاصة حين يشاهد هذا الفهم البسيط ، كيف يزداد عدد المؤمنين بها من حوله ، مما يجعلها بمنأى عن أبسط أشكال النقد أو المراجعة ، وكأنها حقائق لا يجوز المساس بها..
وفي تقديري ، هذا التمسك الاعمى بها ، ليس نابعاً - بالضرورة - من فهم عميق أو قناعة عقلية ، بل من حاجة نفسية ، ورغبة داخلية مُلحة في طلب الراحة العقلية والطمأنينة النفسية ..
أقول هذا لأني اعتقد بإن العقل الباطن للإنسان العادي ، بطبيعته ، يميل إلى الاستسهال ، وتجنّب الأسئلة المقلقة ، والبحث الذهني المُتعب عن أجوبة جديدة لها. ..
وهذا ما يفسر لنا ، سبب تكرار المرء لبعض المعتقدات الموروثة ، والعنعنات المدسوسة ، ( حتى وإن كانت منافية للأخلاق أو العقل أو الواقع) .. و أقصد أنه يمنح الفرد المؤمن بها ، شعوراً عميقاً بالأمان الذهني ، ويُجنّبه عبئ المواجهة ، مع الحقائق الموضوعية الجديدة ، أوالضياع في تعقيدات التفكير الحر ..
وبناءً عليه ، تجد أن الإنسان العادي ، البسيط في الفهم والعلم ، يبذل الغالي والنفيس دفاعاً عن هذه الأفكار، لا لشيء سوى أنها مألوفة لديه ، وتمنحه استقرارًا داخلياً .. و تقديراً إجتماعياً أمام الجماعة التي يعيش بين ظهرانيها.
بمعنى آخر ، إن الحاجة إلى القبول الاجتماعي والتقدير الجماعي، غالبًا ما تأتي على حساب حرية التفكير..
وإن الخوف من النقد أو العزلة ، هو من يدفع الإنسان إلى التقليد والتماثل ، و مسايرة السائد والايمان بما فيه من فكر أو قيم أو دين ، مهما كان هشاً ساذجاً ، أو مخالفاً لمبادئ المنطق العقل والبراهين العلمية ، وأحيانا الاخلاقية..
ولا ننسى أن حال هذا التماثل مع فكر الجماعة يمنح الفرد طمأنينة وسؤدد ، لا يجرؤ كثيرون على التضحية بهما..
لذلك أرى ، إن تحرير العقل الجمعي من سجون هذه الدفاعات السوداء المؤسسة ، والأغلال العمياء المقدسة ..
( رغم كل هذا االتطور التكنولوجي الذي نعيش ) ليس مهمة سهلة ، قد تُنجز في عقد أو اثنين ، بل مسار طويل ومعقد ، يتطلّب نهجاً تربوياً وتعليمياً حازماً ، وصبراً مستمرأً ، ومثابرة نخبوية لا يجب أن تنقطع ..
وللأسف الشديد ، قد يكون الثمن للوصول إلى هذه الحرية باهظاً للغاية : دماء تُهدر، أبرياء يُظلمون، وصراخ وعويل يُسمع في غير موضعه.
لكن في زعمي، هذا هو الطريق الوحيد ، لأية جماعة إنسانية تتطلع إلى نضج فكري حقيقي، أو تسعى إلى تقدّم واعٍ ، ومستقبل مزدهر، يكلله رضى وجداني ونجاح حضاري و إنساني ، ينبع من معرفة مسؤولة تستند إلى نزعة الايمان بحقائق الواقع المعلوم ، لا إلى خدعة الأمان الزائف والمستقبل الموهوم ..
الحمد لله على نعمة العقل
zakariakurd*

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر