|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

زكريا كردي
2025 / 9 / 12
تدور هذه المرة حول " الطاغية" ، والطغيان ..
الطغيان يُعد من الظواهر الإنسانية، المُتجذرة في التاريخ، والمُتكرّرة فيه ، و يحدث - عادةً - عندما يتجاوز ( فرد أو جماعة ) ممّن لديه سلطة ما (سياسية فكرية دينية إجتماعية ..) الحدود الأخلاقية والقوانين المدنية أو المبادئ العقلية و الانسانية في ممارسة تلك السلطة..
- بمعنى أن الانسان ينقلب إلى طاغية عندما يستغل موقعه لفرض إرادته دون اعتبار للعدالة أو حقوق الآخرين ، متجاوزاً بذلك حدود الحق والعقل والإنصاف والرحمة.. دون مراعاة لأية قيم إنسانية أو عقلية ، أو أدنى احترام للمبادئ القانونية ..
- كلمة " طاغية " بالتحديد ، تعود في أصلها اللغوي إلى الفعل "طغى"، الذي يدل على الفيض العارم والتجاوز للحدود الواقعية السائدة ، كما يُقال "طغى الماء" إذا فاض عن ضفافه، وهو تعبير دقيق عن طبيعة الطغيان الذي يتجاوز الحدود المرسومة للسلطة أو السلوك..
- لاشك في أن للطغيان صورا عديدة ذات مظاهر متنوعة منها ما يتجلى في الاستبداد السياسي ( وهو الاشهر)، ومنه ما يتخذ طابعاً دينياً تكفيرياً ( وهو الأخطر وربما الأسوأ )، كما قد يظهر في صور أخرى تتعلق بالهيمنة الفكرية أو الاجتماعية وهو الأقبح.
- الطاغية - في تقديري - لا يُختزل في كونه حاكماً ظالماً فقط، بل هو تجسيد لانحراف أدوار السلطة عن غاياتها النبيلة ، من خدمة الحق ورفعة الانسان وإزدهار الحياة .. وتحويلها إلى أداة للهيمنة والجشع والقهر والعبودية. .
- كما أعتقد فإن المجتمعات المُتأخرة ( ولا أقول المتخلفة ) حضارياً وعلمياً ، أو التي يحكمها أسلاف التاريخ الميت ، ويغيب فيها الوعي الجمعي العقلاني الناضج ، و تضعف فيها مؤسسات الرقابة والمساءلة وثقافة احترام القانون، يجد فيها فيروس الطغيان دائماً بيئةً خصبةً للتمدّد والانتشار والعدوى ..
و تكون الظروف فيها مهيأة دوماً ، لأن يتحول الحاكم إلى محور الوجود ( الاجتماعي الديني الثقافي العلمي و..)، و تُسبغ عليه الجماهير صفات القداسة والسمو ، بسخاءٍ لا نظير له ، وتُبرر أفعاله مهما بلغت من الجور والعسف أو الشين و الخسّة..
- و لا يقتصر الطغيان على المجال السياسي، بل يمكن أن يتسلل إلى الأسرة، ومواقع العمل، وحتى العلاقات الشخصية، حيث يُمارس من قبل من يستغل موقعه لفرض إرادته دون مراعاة لحقوق الآخرين...
ومن هنا أزعم ، أن مقاومة الطغيان تبدأ من الوعي الفردي ، ومن رفض الخضوع الأعمى ، و تعزيز ثقافة الإيمان العميق ، بأن الحرية الانسانية، ليست منحة تُعطى من قبلِ أحد ، بل حق لازم وإنساني ملازم ، يُنتزع ويجب أن يُصان دائما وأبداً ..
قصارى القول :
رغم ان هيبة الطاغية وأثر سطوته قد تمتد لقرون بعد موته ، لكن تبقى من حسنات القدر أن الطغاة لا يخلدون ، وأن دوام الحال من المحال .
وكما نشهد أو نقرأ ، فإن التاريخ - للأسف - كان زاخراً بأمثلة لحكامٍ أو ذوي سلطة ، استبدوا ، وضللوا أو ظلموا ، وظنوا أنهم خالدون ، لكنهم سقطوا حين هاجت الشعوب أو حين خانهم الزمن ، فوقعوا تحت رحمة قوى أكبر ، أو زالوا مع مجيء طغاة جدد ..
لذا اقول ان الأهم من سقوط الطغيان هو بناء أنظمة علمية وتعليمية ، تقودها نخب ذات عقلية ناضجة، تقوم بتأسيس ثقافة مجتمعية ، تكون واعية بحقها الانساني الدائم ، في نقد ومراقبة السلطات ، وحقها المشروع بالمعرفة ، ومساءلة الحاكم ، وانتقاد سلوكياته، أوتصويب قراراته باستمرار .. بذلك فقط تكون قادرة على منع تكرار الطغيان، ويتم تحقيق التوازن الدقيق جداً ، بين السلطة والحرية، بما يضمن ألا يُستعبد الإنسان ، أو تُغل حقوقه الاساسية وتلغى حرياته ، باسم الأمن العام تارةً ، أو شرعة الدّين أو الأخلاق العامة تارةً أخرى..
الحمد لله على نعمة العقل ..
zakariakurdi
| في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن | حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |