|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

داود السلمان
2025 / 9 / 10
رواية "المدعو" للكاتب خضير فليح الزيدي تدور أحداثها حول شخصية محددة أطلق عليها صدام حسين فرحان. الرواية تتخذ من بطلها محورًا أساسيًا لتفكيك الواقع العراقي، في مرحلة معينة، لا من خلال صدام كرمز أو استعارة، بل كحالة بشرية واقعية، خاضعة للتمزقات النفسية والاجتماعية والسياسية التي طبعت العراق بعد عقود من العنف والفوضى والتشظي. الكاتب يقدّم هذا البطل كشخصية محورية، لا بوصفه بطلًا تراجيديًا أو رمزيًا، بل باعتباره نتاجًا طبيعيًا لزمن ما بعد الكارثة، زمن الفوضى، والانهيار القيمي، وسقوط المعايير، حيث أصبح الإنسان في العراق مجرد وظيفة غامضة، أو وجه غائم لا يتذكره أحد. ومنذ لحظة دخول القارئ إلى عالم الرواية، يشعر أن هناك عبثًا مقصودًا في اختيار الاسم: صدام حسين فرحان، وكأن الروائي أراد أن يضعنا أمام مفارقة مزدوجة: الاسم الذي يثقل كاهل الشخصية بحمولة رمزية ثقيلة، والمصير البسيط أو التافه أو الغامض الذي يعانيه صاحب الاسم في الواقع.
الاسم هنا ليس تفصيلًا اعتباطيًا، بل مفتاح قراءة. فـ"صدام حسين فرحان" ليس الرئيس، لكنه يحمل اسمه، ويحمل معه تاريخًا سياسيًا مشحونًا بالدماء والخوف والرعب. هو مواطن بسيط، لكن اسمه يُلقي عليه عباءة لا يريدها، يُعامل من خلالها، ويُنظر إليه بوصفه نسخة هزيلة أو شبحًا كاريكاتيريًا من شخصية مازالت كامنة في الذاكرة العراقية، رغم أنطفاء بريقها. وهنا يلعب الزيدي لعبته الفنية الذكية: إنه لا يصنع بطله من البطولة، بل من التباسها. لا يضعه في قلب الفعل، بل على حافته، حيث يصبح الاسم عبئًا، والهوية مصادفة، والحياة مجرد سلسلة من الإحالات الساخرة والمهينة.
الرواية تتبنى سردًا متأنيًا، بطيئًا أحيانًا، لكنه ضروري للكشف عن التحوّل الداخلي الذي يعيشه صدام حسين فرحان، والذي لا يحدث نتيجة وعي فردي، بل كاستجابة قسرية لواقع لا يرحم. تتبع الرواية خطواته اليومية، حواراته الهامشية، تعامله مع البيروقراطية، مع الآخرين، مع ذاته، لتكشف حجم التهشيم النفسي الذي يتعرض له الفرد في العراق. بطل الرواية كما تسرده هذه المدونة، ليس مريضًا، وليس بطلًا، وليس مجنونًا تمامًا، لكنه محطّم بطريقة باردة، بطيئة، لا درامية، كما لو أنه ضحية لمصنع كبير لإنتاج الحطام البشري.
الكاتب خضير فليح الزيدي يكتب عن فرد لا يعني شيئًا إلا باسمه، ولكنه في ذات الوقت لا يستطيع أن يعيش وفق هذا الاسم، لأن كل شيء حوله يذكره بأنه لا يشبه ما يُنتظر منه. هنا تتحول الحياة اليومية إلى محكمة صامتة. المجتمع، المؤسسات، وحتى الغرباء، يحمّلون الاسم ما لا يحتمله الجسد. وتصبح الرواية في هذا السياق نقدًا مريرًا لفكرة الهوية المفروضة، والورطة التاريخية التي قد يجد الإنسان نفسه فيها فقط بسبب سخرية الأقدار. الروائي لا يقدّم صدام حسين فرحان كشخصية سياسية أو رمزية خالصة، بل ينزعه من أي خطاب جاهز. هو رجل يبحث عن عمل، عن مكان، عن أن يُنسى اسمه فقط ليعيش، لكنه لا يستطيع. الرواية تتعمق في هذا الإحساس الساحق بالغربة داخل الوطن، في العبء الوجودي الذي لا ينبع من خطأ ارتكبه البطل، بل فقط من الصدفة الملعونة أن اسمه مطابق لاسم الطاغية السابق. وهذا ما يمنح الرواية طابعًا تراجيديًا فريدًا: لا بسبب ما يحدث، بل بسبب ما لا يحدث. لا يوجد حدث كبير، لا انقلاب، لا مؤامرة، لا لحظة خلاص. فقط رجل يمشي تحت شمس بلدٍ لا يرحم، متهم بصمته، وباسمه، وبملامحه التي تشبه ولا تشبه، في الوقت نفسه.
بالنتيجة الزيدي يستخدم هذه المفارقة – بين الاسم والمصير – ليبني نقدًا عميقًا للزمن العراقي الحديث، حيث الاسم قد يكون لعنة، والهوية قد تصبح محكمة، والإنسان ليس أكثر من ظلّ لتاريخ لم يطلبه. الرواية لا تتحدث عن صدام حسين، انما تتحدث عن مصير شعب، شعب محطم فاقد لوجوده، الشعب الذي لم يستطع أن يفرّق بين الطاغية والضحية، بين الصورة والأصل، بين الخطأ والحياة العادية. وهكذا نجد أن "المدعو" ليست مجرد رواية عن شخصية غريبة، بل عن مجتمع لم يتخلص بعد من أشباحه، وعن ذاكرة جماعية مشوهة، لا تنسى، ولا تغفر، ولا تسمح لأحد أن يبدأ من جديد.
وبالتالي، الرواية لا تتحدث عن اسم كبير، بل عن رجل عادي جدًا، يتحول اسمه إلى محنة وجودية. إنها عمل يتجاوز السرد إلى تفكيك فلسفة الهوية في مجتمع مأزوم، ويسائل بشكل مرير: من نحن حين لا نختار أسماءنا؟ من نكون حين يحاسبنا الناس على وقع الاسم لا على ما نفعل؟ بطل الرواية "صدام حسين فرحان" هو كل فرد في العراق الحديث يحمل عبء ماضٍ لم يصنعه، لكنه لا يستطيع الإفلات من أشباحه.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |