|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
احمد عناد
2025 / 9 / 9
منذ فجر الوعي الإنساني، لم يكفّ البشر عن سؤال واحد يطل برأسه في كل عصر: هل نحن من نصنع مصيرنا بوعينا وإرادتنا، أم أن كل شيء قد كُتب منذ الأزل، وما نحن إلا شهود على سيناريو لا نملك إلا أن نؤديه؟
ديكارت، فيلسوف الشكّ واليقين، كان يرى أن حرية الإرادة هي الدليل الأوضح على عظمة الروح الإنسانية. ففي لحظة القرار، حين يقف الإنسان بين طريقين، يشعر بسلطان داخلي لا يوازيه شيء؛ وكأن القدرة على الاختيار أكبر من كل قوانين الطبيعة. عنده، الحرية ليست مجرد خاصية ثانوية، بل هي برهان على أننا لسنا مجرد آلات، وأن هناك فينا شرارة متعالية على الأسباب.
لكن سبينوزا، فيلسوف الضرورة، جاء ليقلب الصورة رأساً على عقب. عنده، الإنسان يظن أنه حر لأنه يعي رغباته، لكنه لا يعي الأسباب التي جعلت هذه الرغبات تنشأ فيه. الحرية، إذن، ليست أكثر من وهم. نحن مثل حجر يتدحرج من أعلى الجبل، يظن أنه يختار اتجاهه لأنه يشعر بالحركة، لكنه في الحقيقة خاضع لقوة دفعتْه من البداية. ومع ذلك، لم يكن سبينوزا عدواً للحرية كما قد يُفهم؛ فقد أعاد تعريفها قائلاً: الحرية الحقيقية أن تفهم الضرورة، أن تدرك القوانين التي تسير الكون، فتتحد بها بدل أن تتمرد عليها.
وهنا يظهر البعد الصوفي في أبهى تجلياته: فالعارفون بالله يقولون إن الحرية الكبرى لا تُنال بالتمرّد على القدر، بل بالانسجام معه. إن إرادتك حين تتصالح مع إرادة الوجود، تصبح حراً حقاً. كأن الحرية ليست في أن تقول “أنا أريد”، بل أن تكتشف أن ما تريده هو عين ما أراده الله لك. ابن عربي يشير إلى أن العبد حر إذا رأى كل شيء منسوجاً في بساط المشيئة الإلهية، ومع ذلك لم يتخلَّ عن مسؤوليته في السلوك. فالقدر عنده ليس قيداً، بل طريقاً مفتوحاً بينك وبين الحق، وفيه تختبر صدقك في السير.
لعلّ ما جمع ديكارت وسبينوزا على اختلافهما هو أنهما جعلا الإنسان في مواجهة ذاته. ديكارت رفع شأن الإرادة لتكون الدليل على أننا أكثر من جسد فيزيائي، بينما سبينوزا وضعنا أمام حتمية كونية لنعي أن وعينا ليس سيّداً مطلقاً. أمّا التصوف فقد أضاف بعداً آخر: أن الحرية ليست في إثبات الذات ولا في إنكارها، بل في تذويبها في بحر أكبر، حيث يصبح القدر والاختيار وجهين لعملة واحدة.
فالقدر قد يكون الأفق الذي رُسم لنا، أما الحرية فهي الخطوط التي نخطها داخله. وفي النهاية، ليست القضية في أن نعرف أيهما أسبق: القدر أم الإرادة، بل في أن نكتشف كيف نحيا هذا التوتر بسلام، وكيف نحول السؤال من جدل عقلي إلى تجربة وجودية. حينها فقط نفهم أن الحياة رقصة خفية بين ما نريده نحن وما يريده لنا الغيب، وأن أجمل الحرية قد تكمن في التسليم، لا في الصراع
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |