|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
رياض قاسم حسن العلي
2025 / 9 / 4
تتحدث الأمريكية آيمي ماستريني رحلة تحولها من عالم "النسوية المتطرفة" و"الصحوة الأيديولوجية" (Woke Ideology) إلى إعادة اكتشاف الإيمان والتدين، في شهادة تكشف أبعادًا نفسية وفكرية وفلسفية عن صراع الإنسان المعاصر بين التوجهات الأيديولوجية والبحث عن الجذر الروحي.
تمثل هذه الرحلة نموذجًا للاغتراب الوجودي الذي تعيشه الكثير من الأفراد في المجتمعات الحديثة، حيث تصبح الأيديولوجيات مدخلًا للوهم بالتمكين، لكنها غالبًا ما تترك الفراغ الداخلي دون علاج.
نشأت ماستريني في كنف المسيحية، لكنها خلال سنوات المراهقة انجرفت نحو الحركات النسوية الراديكالية، تغلغلت شعارات العدالة الاجتماعية والتحرر من "القمع الأبوي" إلى قلبها وعقلها. في الجامعة، تصاعد تبنيها للأفكار التقدمية، ووجدت في الخطابات النسوية الحديثة وإيديولوجيا الصحوة الفكرية وسيلة لإعادة تعريف العالم والعلاقات الإنسانية وفق نموذج الصراع والمظلومية. ومع مرور الوقت، بدأت هذه الخطابات تترك أثرًا نفسيًا عميقًا: اضطرابات داخلية، شعور بالضياع، انقطاع عن الذات، وفقدان إحساس الانتماء الروحي، ما دفعها إلى طلب العلاج النفسي ومحاولة إعادة ترتيب عالمها الداخلي.
كان لاكتشاف فكر "جوردان بيترسون" دور حاسم في إعادة تشكيل رؤيتها. نقد "بيترسون" لأيديولوجيا الضحية والنسوية الحديثة كان أداة فلسفية لفهم الذات واستعادة القدرة على التفكر النقدي، وربط الفرد بمعايير واقعية للوجود والقيمة. هنا أدركت ماستريني أن بعض الخطابات التقدمية، رغم شعاراتها عن الحرية والمساواة، يمكن أن تزرع الخوف من الدين وتغذي شعورًا بالاغتراب عن الذات وعن العالم.
بعد بحث طويل، وجدت ماستريني ضالتها في الإيمان الديني، حيث يكون الدين فضاءً للانسجام الروحي ، ونموذجًا للتوازن بين القوة والأنوثة. في هذا الاكتشاف، أدركت أن الدين لم يكن أداة للهيمنة الذكورية كما صورته بعض الخطابات النسوية، لكنه منظومة حماية وبناء للكرامة الإنسانية. شخصيات مثل السيدة مريم تجسد حضورًا ساميًا للأنوثة، وتضع المرأة في مركز روحي وأخلاقي، بعيدًا عن الانقسام بين القوة والقمع.
تؤكد ماستريني أن الدين ليس سجنًا للمرأة، بالعكس من ذلك فهو حضنًا للسلام والكرامة، وأن ما كانت تراه قيودًا، هو في الواقع طريق للشفاء من الجروح النفسية التي زرعتها الأيديولوجيات المزيفة. وهنا يكمن البُعد الفلسفي لتجربتها: إنها رحلة من الاغتراب النفسي والروحي إلى استعادة مركزية الذات في العالم، حيث الحرية الحقيقية لا تتحقق بمجرد رفض كل تقليد أو تبني كل فكرة تقدمية، لكن من خلال التفاعل النقدي مع التراث الروحي، وفهم مكانة الأنثى كعنصر مقدس في البناء الوجودي.
تمثل تجربة ماستريني مأزق الإنسان الحديث بين التمكين الظاهري والانفصال الداخلي، بين الأيديولوجيا والكينونة، بين البحث عن العدالة الاجتماعية والاحتياج إلى الجذر الروحي. فالصحوة الفكرية، رغم شعاراتها الرنانة، قد تولّد إحساسًا بالاغتراب عن الذات، وتجعل الإنسان يعيش في صراع دائم بين ما يُراد له وبين ما هو كينونته الحقيقية. بالمقابل، يوفّر الدين، وفق تجربة ماستريني، فضاءً للشفاء النفسي والروحي، حيث يُستعاد الانسجام الداخلي، ويصبح للأنوثة حضورها الكامل في الوجود، وتستعيد المرأة القدرة على المشاركة في البناء الروحي والاجتماعي بمعناه الكامل، لا كرمز أيديولوجي فارغ.
تقدم شهادة ماستريني نموذجًا فلسفيًا حيًا للبحث عن المعنى في العصر الحديث، حيث التمكين الأيديولوجي وحده لا يكفي، ويصبح البحث عن الجذر الروحي، وعن حضور الذات في العالم، شرطًا أساسيًا للحرية الحقيقية والسلام الداخلي. إنها دعوة لإعادة تقييم العلاقة بين الأيديولوجيا والدين، بين الحداثة والتحرر الروحي، وبين الفراغ النفسي والشفاء الوجودي، بما يجعل التجربة الفردية جسراً لفهم أزمة الإنسان المعاصر.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |