ومضة ضوء:-قطر والانتهاكات عار الصمت الدولي وروحاني نموذجًا.-

محمد سعد خير الله
2025 / 9 / 1

تنص المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على حق كلِّ شخص في حرِّية الفكر والوجدان والدِّين، ويشمل هذا الحقُّ حرِّيته في تغيير دينه أو معتقده، وحرِّيته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبُّد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حدة. ولكن في قطر لا يُنظر لهذه المادة بعين الاعتبار، بل إن كل ما يؤسِّس لحق الإنسان في الاختلاف بأي مجال ليس له أدنى قيمة لدى النظام الأميري الحاكم، والذي حكم قضاؤه في الثالث عشر من أغسطس الجاري على "ريمي روحاني" زعيم الطائفة البهائية الصغيرة في قطر، بخمس سنوات، بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي يُزعم أنها "تشكك في أسس الدين الإسلامي".

لم يقم روحاني إلا بتطبيق ما جاء في المادة 18 بشكل حرفي، ولكن الهيئة المكوَّنة من ثلاثة قضاة في المجلس الأعلى للقضاء كان لها رأي آخر؛ فلقد رفض القضاة طلب الدفاع منح روحاني الرأفة استناداً إلى معاناته من مرض في القلب، إذ يبلغ روحاني 71 عاماً. إن ما يحدث هو طبائع الأمور في دولة تحكم بالحديد والنار وتحتل مراتب متدنية في المؤشرات العالمية للحريات المدنية والسياسية والدينية والديمقراطية وحرية الرأي والتعبير والمعتقد، وتمارس ازدواجية على نحو غرائبي، إذ تقدّم نفسها للعالم وكأنها واحة للديمقراطية تعمل على حل النزاعات الدولية والتوسط بين الدول، بينما في الوقت نفسه تدعم بشكل مباشر وعلني كل التنظيمات الإرهابية حول العالم، وفي القلب منها "حماس" و"الجهاد" و"حزب الله" و"الحوثيون" وغيرهم.

وتقدّم قناتها "الجزيرة" محتوى لا يمتّ للإعلام بصلة، بل تتحوّل إلى أداة خطيرة لتغذية حالة استقطاب غير مسبوقة على المستوى العالمي. وطبقاً للعديد من الدراسات المتخصصة، تُعدّ القناة واجهة المشاهدة الأولى لكل الناطقين بالعربية في مختلف أنحاء العالم، وهو ما يشكّل كارثة كبرى بالنظر إلى طبيعة الخطاب الذي تبثّه. إذ تملأ شاشتها بخطاب يشرعن العنف "ضد الإسرائيليين"، ويضفي غطاءً أيديولوجياً على الجماعات المتطرفة. وعلى مدار الساعة، تُعيد برامجها وتقاريرها إنتاج الكراهية وتضخّها في وعي الجمهور، وتشحن المتابعين بطريقة تجعل من المخالفين أهدافاً مشروعة للقتل والاستباحة. وهكذا تصبح "الجزيرة" جزءاً من ماكينة ضخمة تستثمر في الانقسام وتغذّي التطرف، بدلاً من أن تقوم بدورها الطبيعي كمنصّة إعلامية مهنية ومحايدة. وأتحدّى أي شخص ممّن يمدحون القناة أن يأتي بخبرٍ واحدٍ ينتقد النظام الحاكم للبلاد في أي مجال، حتى ولو بطريقة شكلية تخلو من أي مضامين حقيقية.

وبالعودة إلى "ريمي روحاني"، المواطن القطري الذي وُلِد في الدوحة وتلقى تعليمه وعاش معظم سنوات حياته فيها، فإنه وبحسب عائلته يُعدّ من "الشخصيات البارزة في عالم الأعمال"، إذ شغل في وقت سابق منصب المدير العام لغرفة تجارة وصناعة قطر. وفي أواخر مايو/أيار 2015، قرر مجلس إدارة الغرفة، في اجتماعه العادي الذي عُقد برئاسة الشيخ خليفة بن جاسم آل ثاني، رئيس مجلس الإدارة، إعفاء السيد ريمي روحاني من منصبه "دون ذكر أي أسباب". ويبدو أن هذا القرار كان بمثابة إنذار مبطّن للرجل وعقاباً له على نشاطه الديني.

فلقد لعب روحاني دوراً بارزاً في المجتمع البهائي بقطر، حيث انتُخب رئيساً للمحفل الروحاني المركزي للبهائيين، وهي هيئة منتخبة تُعنى بتنظيم الشؤون الإدارية والاجتماعية للطائفة، بما في ذلك جمع المساهمات المالية الطوعية وتنظيم المناسبات الدينية.

" روحاني ليس الأول ولن يكون الأخير "

بالطبع، روحاني ليس الأول ولن يكون الأخير، فالقائمة طويلة في سجون أقرب إلى سخانات. فقد شهد رجل الأعمال والكاتب الفرنسي جان بيير مارونجي، الذي قضى خمس سنوات في زنازين الدوحة بتهم يقول إنها مفبركة، على فظاظة المعاملة في السجون القطرية وظروف الاعتقال الكارثية. ووصف مارونجي السجون بأنها "عنابر مظلمة لا يدخلها ضوء النهار"، رغم أن قطر تعد من الدول ذات الدخل المرتفع.

وأوضح أن الزنزانة التي يُفترض أن تؤوي ما بين 8 و12 سجينا كانت تستقبل حوالي 40 نزيلا، مما يعني اكتظاظاً مهولاً، مضيفاً: "كنا ننام على الأرض". أما الطعام الذي كان يرمى إلى السجناء، فكان "يتعافه حتى الفئران"، بحسب المعتقل السابق الذي فضح سجل الدوحة الحقوقي في
عدد من مقابلاته الإعلامية داخل فرنسا.

"التدليس الحقوقي الدولي المفضوح مجاملة لقطر"

رغم السجل الحقوقي الكارثي الذي تتوارى وراءه الدوحة، لا يزال المجتمع الدولي يغضّ الطرف عن الانتهاكات اليومية ضد حرية الرأي والمعتقد في البلاد. فالانتهاكات تمر غالبًا بغطاء من صمت رسمي أو مجاملات دبلوماسية، بينما الدولة تتفنن في شراء الذمم والولاءات عبر اتفاقات اقتصادية وسياسية. وتتوالى فضائح الرشاوى الدولية الموثقة لها، ويكتب عنها عشرات المقالات. أما الأغلبية الساحقة من المنظمات الحقوقية الدولية، التي تقدم نفسها كمستقلة وتدعم بشكل غير مباشر الجماعات الإرهابية المتطرفة بخطاب حقوقي، فإن خطابها يقطر تدليسًا وخلطًا ومعايير مزدوجة، بصورة تعكس فضائح الدوحة المستمرة منذ الأحداث الإرهابية في السابع من أكتوبر. فلم تصدر هذه المنظمات أي بيانات لدعم ريمي روحاني، وكأنه لم يُسجن أصلاً، ولا توجد قضية أساسًا.

آسف لكل سجناء الرأي والمعتقد داخل سجون الدوحة.
آسف لريمي روحاني ولكل روحاني مثله في أقبية استدعاء الموت. آسف لصمت العالم عن هذه الانتهاكات اليومية. آسف لأن العدالة لا تزال غائبة، يحدد معاييرها الريال القطري فإلى متى أيها العالم؟

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر