قراءة في كتاب مطرقة الساحرات (Malleus Maleficarum) لهينريش كريمر

محيي الدين ابراهيم
2025 / 8 / 30

هذا الكتاب ليس مجرد نص قديم، بل وثيقة مرعبة تعكس كيف صاغ الخوف والخيال والعقيدة مصائر الناس في العصور الوسطى.
في القرن الخامس عشر، حين كان الليل أثقل من أن يضيئه عقل، وحين كان الخوف يسيطر على العقول أكثر من العلم، وُلد كتاب غريب، رهيب، اسمه مطرقة الساحرات. مؤلفه الراهب الدومينيكاني هينريش كريمر، لم يكن مجرد رجل دين؛ كان صياداً للأشباح والساحرات، وقاضياً يجلد الخيال بسياط القانون الكنسي.
صدر الكتاب عام 1486، سرعان ما أصبح المرجع الأبرز لمحاكم التفتيش في أوروبا، الدليل العملي لتشخيص الساحرات ومحاكمتهن وحرقهن. وإذا أردنا أن نعرف كيف تحولت الأسطورة إلى مؤسسة قمع، وكيف صار الخيال سبباً لإشعال النار في أجساد النساء، فإن هذا الكتاب هو المفتاح.
لم يكن مطرقة الساحرات كتاباً نظرياً. بل كان أقرب إلى "دليل عمليات" يضع بين يدي القضاة ورجال الكنيسة تفاصيل دقيقة: كيف تُعرَف الساحرة؟ كيف تُستجوب؟ ما العلامات التي تكشف اتصالها بالشيطان؟ بل حتى كيف تُنتزع الاعترافات تحت وطأة العذاب.
كريمر لم يترك مساحة للشك: المرأة – في نظره – ضعيفة أمام غواية الشيطان، أكثر استعداداً لعقد الحلف معه، وأكثر عرضة لارتكاب السحر. ومن هنا، فإن كل امرأة مشبوهة يمكن أن تُقاد إلى المحرقة، بتهمة أنفاسها، أو نظراتها، أو مجرد همس من جيرانها.
تقرأ الكتاب اليوم، فتشعر أن كل سطر فيه مشبع برائحة الخوف. خوف من المرأة، من جسدها، من قدرتها على الإغواء، من غموضها الذي عجزت الذكورية عن تفسيره، فتحوّل إلى اتهام بالسحر.
الأكثر إثارة أن الكتاب لا يقدم مجرد وعظ ديني، بل يستخدم لغة "شبه علمية" تخلط بين الفلسفة واللاهوت والقصص الشعبية. كريمر يحاول أن يقنع قارئه بأن السحر حقيقة قابلة للإثبات، وأن الشيطان يتحرك في العالم كما يتحرك الهواء.
بهذا المنطق، صارت الحكايات الشعبية عن نقل الأطفال في الهواء، أو اختفاء الماشية، أو إلحاق الأذى بالزرع، أدلة قضائية تُعرض أمام محاكم التفتيش. صار الخيال أداة إدانة، وصارت الكلمة المكتوبة ناراً تحرق الأجساد.
بفضل مطرقة الساحرات، انتشرت موجة من الهوس عبر القارة. مئات الآلاف من النساء – وربما أكثر – اتُّهمن بالسحر. بعضهن فقيرات مهمشات، وبعضهن نساء قويات لم يغفر لهن المجتمع ذكاؤهن أو استقلالهن. كثيرات أُحرقت جثثهن على المشانق، بينما كان الجمهور يهلل وكأنهم يشهدون انتصار الإيمان على الشر.
لم يكن الكتاب مجرد نص، بل آلة سلطوية. استخدمه القضاة ليبرروا التعذيب، واستشهد به رجال الكنيسة لتبرير القتل. صار "المطرقة" التي تهوي على كل رأس تجرؤ على الاختلاف أو تثير الشبهة.
خلف هذا الكتاب لم تكن تقبع مجرد خرافة عن السحر، بل صراع على السلطة. الكنيسة، التي شعرت بتهديد من حركات إصلاحية وأفكار جديدة، وجدت في تهمة "السحر" وسيلة لإحكام قبضتها. كان الاتهام بالسحر سلاحاً سياسياً بقدر ما هو ديني.
هكذا تحوّلت المرأة المستقلة إلى ساحرة، والمخالف في الرأي إلى حليف للشيطان. وتحوّل المجتمع بأسره إلى مسرح للريبة، حيث كل جار يمكن أن يكون شاهداً، وكل همسة قد تُصبح حُكماً بالإعدام.
إنه كتاب أسود في ذاكرة التاريخ، ومن يقرأ هذا الكتاب اليوم، سيقرأ مطرقة الساحرات باعتباره واحداً من أحلك النصوص في التاريخ الغربي. ليس لأنه يتحدث عن السحر، بل لأنه يكشف كيف يستطيع كتاب أن يغيّر مصائر أجيال. كيف يمكن للكلمة أن تتحوّل إلى محكمة، وللحبر أن يصير وقوداً للنار.
ورغم سوداويته، فإن الكتاب يحمل قيمة تاريخية لا تُنكر: إنه مرآة مرعبة لذهنية العصور الوسطى، حين كان الخوف من الغيب أقوى من أي منطق، وحين كان جسد المرأة ساحة لصراع بين المقدّس والمدنس.
ربما نضحك اليوم من فكرة أن امرأة تطير على مكنسة، أو تعقد حلفاً مع الشيطان في ليلة مقمرة. لكن، ألا تزال بقايا هذه العقلية معنا؟ ألا تُستخدم التهم الغامضة حتى اليوم لتشويه المختلف، أو إسكات من يزعج السلطة؟
مطرقة الساحرات لم يمت تماماً. لقد غيّر اسمه، ارتدى أثواباً حديثة، لكنه ما زال يعيش حيثما يتحوّل الخوف إلى قانون، والخيال إلى محاكمة، والكلمة إلى سلاح.
إن كتاب هينريش كريمر ليس مجرد وثيقة عن السحر، بل شهادة دامغة على قوة النص حين يُسلّط في الاتجاه الخطأ. لقد علّمنا أن أخطر ما يواجهه الإنسان ليس الشيطان، بل الخوف الذي يسكن داخله، حين يلبس ثوب الحقيقة.
فهل كان مطرقة الساحرات كتاباً عن الشيطان… أم كان الشيطان نفسه مكتوباً على ورق؟

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي