ومضة ضوء: -الإبادة الأرمنية التي اعترفت بها إسرائيل: العدالة والذاكرة تنتصران.

محمد سعد خير الله
2025 / 8 / 30

لها حقًا أن تُعد لحظة استثنائية، ليس في تاريخ منطقة الشرق الأوسط فحسب، بل على المسرح العالمي بأسره؛ تلك اللحظة التي اعترفت فيها إسرائيل مؤخرًا وبشكل رسمي، وعلى لسان رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، بما تعرض له الشعب الأرمني من إبادة جماعية على يد الدولة العثمانية في بدايات القرن العشرين. وقد جاء هذا الاعتراف خلال ظهوره في البودكاست الأمريكي الشهير PBD Podcast مع المذيع والباحث الأمريكي باتريك بيت-ديفيد، وذلك بتاريخ 27 أغسطس الجاري، وهو ما شكّل تحولًا نوعيًا في الموقف الإسرائيلي من واحدة من أبشع الجرائم ضد الإنسانية في القرن العشرين.

وعندما سُئل نتنياهو عن سبب عدم اعتراف إسرائيل سابقًا بالإبادة التي ارتكبتها السلطنة العثمانية ضد الأرمن والآشوريين واليونانيين، أجاب قائلاً: "في الواقع، أعتقد أننا اعترفنا، أعتقد أن الكنيست أقر قانونًا في هذا الشأن"، ثم أكد بشكل مباشر: "نعم، لقد فعلت ذلك للتو. على الرحب والسعة." بهذه العبارة الحاسمة أنهى نتنياهو سنوات من التردد السياسي، لتنضم إسرائيل إلى مصاف 33 دولة اعترفت رسميًا بحقيقة تاريخية لا يشكك فيها إلا من قرر مسبقًا تنحية إنسانيته جانبًا.

بين السياسة والذاكرة الإنسانية

لم يكن الموقف الإسرائيلي من هذه القضية بسيطًا في السابق. فبرغم أن لجنة برلمانية إسرائيلية أقرت في عام 2016 بأن المجازر العثمانية بحق الأرمن تُعد "إبادة"، إلا أن الكنيست ألغى تصويتًا على قرار مماثل في عام 2018 نتيجة لمعارضة من حكومة نتنياهو آنذاك، خشية التأثير السلبي على العلاقات مع تركيا. لكن الاعتراف الأخير جاء ليُسدل الستار على مرحلة المواربة السياسية، مؤكداً أن الذاكرة الإنسانية يجب أن تكون أسمى من الحسابات الدبلوماسية.

الإبادة الأرمنية: فظائع وأهرامات الجماجم

الإبادة الأرمنية لم تكن مجرد أعمال عنف عشوائية، بل خطة منظمة هدفت إلى محو الأرمن من الوجود في أراضيهم التاريخية. في 24 أبريل 1915، اعتقلت السلطات العثمانية مئات المثقفين والأعيان الأرمن في القسطنطينية (إسطنبول اليوم) ورحّلتهم إلى الداخل حيث لقي معظمهم حتفهم، لتبدأ مرحلة من القتل الجماعي والتهجير القسري عُرفت لاحقًا بـ"مسيرات الموت".

أُجبر مئات الآلاف من النساء والأطفال والشيوخ على السير في الصحراء بلا طعام أو ماء، فمات كثيرون منهم عطشًا وجوعًا قبل أن يصلوا إلى أماكن الإعدام. وتذكر الوثائق التاريخية شهادات مروّعة عن التعذيب، الاغتصاب، وبناء "أهرامات من الجماجم" لبث الرعب في النفوس. لم يسلم الأطفال من المأساة، إذ كانوا يُقتلون بطرق وحشية أو يُجبرون على مشاهدة مقتل عائلاتهم.

أهمية الاعتراف الإسرائيلي

اعتراف إسرائيل اليوم ليس مجرد موقف رمزي، بل هو تصحيح لمسار تاريخي طال انتظاره. فإسرائيل، التي نشأت من رحم مأساة الهولوكوست، تدرك أكثر من غيرها معنى أن يُنكَر على شعبٍ معاناته الجماعية. الاعتراف بالإبادة الأرمنية يبعث برسالة واضحة: أن الجرائم ضد الإنسانية، أياً كان مرتكبها وأياً كان ضحاياها، يجب أن تُسمّى باسمها الحقيقي: إبادة.

تركيا والإنكار المستمر

من جانبها، تواصل تركيا إنكار ما حدث وتصفه بـ"المأساة" أو "الخسائر الجانبية للحرب"، رافضة استخدام مصطلح "إبادة". إلا أن اعتراف إسرائيل يضيق الخناق على هذا الإنكار، ويؤكد أن الحقيقة التاريخية لا يمكن طمسها مهما طال الزمن.

هذا الاعتراف يعيد إلى ذهني لحظة شخصية فارقة في حياتي.

أتذكر بوضوح أيامًا لا تُنسى عشتها في مصر خلال عامي 2013 و2014. كانت هذه القضية من أبرز الملفات التي أوليتها اهتمامًا بالغًا، سواء على الصعيد الشخصي أو بوصفي مؤسس "الجبهة الشعبية لمناهضة أخونة مصر". في ذلك الوقت، دعوت الحكومة المصرية إلى الاعتراف رسميًا بالإبادة التي تعرّض لها الأرمن على يد الدولة العثمانية. وبعيدًا عن القنوات الرسمية، سعيت إلى رفع الوعي داخل المجتمع المصري بهذه المأساة، من خلال ظهوري الإعلامي وحواراتي الصحفية التي وجدت صدى أعمق مما كنت أتوقع.

وبالاشتراك مع مجموعة من الأصدقاء الأرمن المصريين في الإسكندرية، تقدمنا بدعوى قضائية نطالب فيها بالاعتراف الرسمي بتلك الإبادة. في البداية جُمّد الملف، ثم جرى رفضه لاحقًا. ولم أكن أدرك في حينه أن النظام العسكري السلطوي الحاكم في مصر سيصطف، رغم خلافاته مع تركيا، مع ما ارتكبه العثمانيون من جرائم بحق الأرمن وغيرهم من غير المسلمين.

وسط هذه الجهود، تلقيت في عام 2015 دعوة من الحكومة الأرمينية للمشاركة في إحياء الذكرى المئوية للإبادة. وقد سافرت إلى يريفان وشاركت في هذا الحدث التاريخي المهيب، حيث حظيت بتكريم ترك في نفسي أثرًا بالغًا. كما ظهرت على شاشة التلفزيون الرسمي، عارضًا موقف "الجبهة الشعبية لمناهضة أخونة مصر" الذي يعترف بهذه الجريمة البشعة.

وقد نُقش هذا الاعتراف على بردية مصرية بثلاث لغات: الهيروغليفية، والأرمنية، والإنجليزية، وأُودع في متحف الإبادة، حيث وقفت أمام صور توثق بجلاء الفظائع التي ارتُكبت في تلك الحقبة التاريخية.

خاتمة

يمثل الاعتراف الإسرائيلي بالإبادة الأرمنية خطوة تاريخية تتجاوز السياسة إلى عمق الضمير الإنساني، ويضع إسرائيل في موقع متقدم بين الدول التي تلتزم بالعدالة التاريخية والذاكرة الإنسانية. هذا القرار يعزز مصداقيتها الأخلاقية دوليًا، ويمنح الأرمن شعورًا بالإنصاف بعد أكثر من قرن من الألم والرفض، ويؤكد أن الذاكرة الإنسانية أقوى من التجاهل، وأن الاعتراف بالحقائق التاريخية جزء لا يتجزأ من العدالة والضمير العالمي.

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر