إيران أو أمريكا .. أيهما يحتل العراق؟

عبدالله عطية شناوة
2025 / 8 / 30

عند كل تناول لقضية الإحتلال الأمريكي المستمر للعراق، تطرح موضوعة التشكيلات المسلحة الشيعية العراقية باعتبارها، مع النفوذ السياسي الإيراني، احتلالاً إيرانيا، بما يصرف الأنظار والأهتمام عن الإحتلال الأمريكي الفعلي الشامل ومتعدد المجلات، وهذا ما يستدعي محاولة التعرف على أوجه التشابه والإختلاف بين الوجودين الأمريكي والإيراني، ومعرفة أيهما يشكل احتلالاً يلغي سيادة واستقلال العراق.
لدينا قواعد عسكرية أمريكية في غرب وشمال العراق، يمكنها التعامل مع كل نزوع عراقي رسمي فعلي وليس لفظيا، لا يتفق مع ستراتيجية التحكم بالعراق والشرق الاوسط، وهي تتحكم فعليا بالأجواء العراقية، ومن مهام هذه القواعد التي لا سلطة للعراق الرسمي عليها، تهديد إيران واستخدام الأجواء العراقية، وقد استخدمتها بالفعل لضرب إيران دون الدخول في الأجواء الإيرانية، بما جعل الطائرات الأمريكية والإسرائيلية في مأمن من الدفاعات الجوية الإيرانية محدودة الكفاءة.
أي أن العراق أرضا وسماءاً متحكم به من القوة العسكرية الأمريكية، كما أن الإقتصاد العراقي متحكم به من واشنطن، فبالإضافة إلى الهيمنة المالية من خلال صندوق العراق في أمريكا الذي تحول اليه كل عائدات الصادرات العراقية النفطية، لا تملك الحكومة العراقية عقد أي شراكات أو حتى صفقات اقتصادية مع أي طرف دولي دون موافقة واشنطن، وقد انتهت إلى الإلغاء جميع الصفقات التي لا ترضيها، ولعل أشهرها الصفقة العراقية - الصينية، النفط مقابل الإعمار، لأنها تستغني عن التعامل بالدولار، ولأنها في مصلحة الطرفين العراقي والصيني.
وليس بدون دفع وضغط من المحتل الأمريكي قبول الحكومة العراقية بمشروع خط أنابيب النفط إلى العقبة مع مصفاة نفط في الأردن، بتمويل عراقي كامل تنقل ملكيتها بعد سنين إلى الأردن الذي يسد حاجته من النفط بأسعار مجانية، كما ان الخط سيزود الكيان الصهيوني بالنفط عراقي دون الإعلان عن ذلك رسميا.
وتقوم السفارة الأمريكية في بغداد بذات الدور الذي كان يقوم به الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر.
والآن لنلق نظرة على ما يُعتبر إحتلالا إيرانياً للعراق، أي على التشكيلات المسلحة الشيعية التي لعبت، إلى جانب القوات المسلحة العراقية الأخرى، دورا أساسيا في تحرير ثلث العراق من الكيان الإرهابي الذي انتحل أسم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" داعش.
هذه التشكيلات مؤلفة من متطوعين عراقيين وليسوا إيرانيين، تسليحهم من وزارة الدفاع العراقية، ومنها أيضا رواتبهم ومعداتهم. رسميا هم يخضعون لسلطة رئيس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة. لكل تشكيل منهم قيادته الخاصة ولتلك التشكيلات مجتمعة قيادة موحدة ترتبط برئيس الوزراء.
ما يميز هذه التشكيلات انها في أغلبها من شيعة العراق، بما يطبعها بطابع طائفي، ولا ننسى أن أغلبها تشكل استجابة لدعوة المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني بعد انهيار الجيش العراقي أمام داعش، وتمكن الإرهابيين من السيطرة على أكثر من ثلث مساحة العراق بما فيها ثاني أكبر محافظاته، محافظة نينوى التي صارت مقراً لزعامة العصابات الإرهابية بقيادة أبو بكر البغدادي. وأطلقت دعوة السيستاني إلى الجهاد الكفائي في وقت كانت عصابات الإرهاب تنتشر ليلا في تخوم بغداد العاصمة، وتقوم نهارا بمختلف أشكال الهجمات والتفجيرات ضد ما تعتبره أهدافاً "رافضية" أي شيعية سواء كانت مساجد وحسينيات أو مدارس وملاعب أو أسواق في الأحياء ذات الأغلبية الشيعية في بغداد وباقي المحافظات.
هي إذن تشكيلات عراقية تشكلت إستجابة لدعوة دينية، وهي في هذا لا تختلف كثيرا عن قوات البيشمرگة التي تشكلت بناء على دعوة قومية، لانتزاع الحقوق القومية للشعب الكردي في العراق. لكن ما يميزها ان أفرادها والإيرانيين ينتمون إلى مذهب ديني واحد. في المقابل أكراد العراق وتركيا وإيران وسوريا ينتمون إلى قومية واحدة، وهناك معلومات لم تتأكد رسميا أن رواتب أفراد "قوات سوريا الديمقراطية" يتلقون أموالاً من أقليم كردستان.
ومع ان أفراد التشكيلات الشيعية العراقية يتشاركون المذهب مع شيعة إيران إلا أنهم يتشاركون الأنتماء القومي مع عرب العراق السنة، ومع باقي العرب في مختلف بلدانهم، أي انهم عراقيون عرب شيعة والرابطة الدينية بينهم وبين شيعة إيران لا تجعل منهم إيرانيين، ولو تغيرت الأوضاع السياسية في إيران، وهذا احتمال وارد، على الأقل وفق الرؤية الأمريكية - الإسرائيلية والغربية عموماً، وانسجمت التطورات مع تلك الرؤية، وتسلم الحكم في إيران أبن الشاه الإيراني السابق وولي عهده المخذول، أو سلمت السلطة إلى السيدة مريم رجوي، فأن التشكيلات الشيعية العراقية المنضوية في الحشد الشعبي، ستكون على رأس قائمة الإعداء الذين يتعين سحقهم بالنسبة لإيران الرسمية، تماما مثل ما هي في قوائم الأعداء بالنسبة لأمريكا وإسرائيل. فالرابط بين تشكيلات الحشد الشعبي العراقية وإيران، رابط أيديولوجي لا يخدم إيران الدولة وانما يخدم الأهداف العقائدية المشتركة بينها وبين من يتولى السلطة في إيران حالياً، وبتغير المرجعية الإيديولوجية للسلطة الإيرانية ستنتهي الأهداف المشتركة والروابط، كما انتفت الروابط بين الأحزاب الشيوعية وموسكو بعد انهيار الإتحاد السوفييتي وتحول روسيا إلى دولة رأسمالية.
أما القواعد العسكرية للاحتلال الأمريكي في العراق، فتخدم المصالح والهيمنة الأمريكية سواء كان الحاكم في أمريكا حزب الحمار الديمقراطي أو حزب الفيل الجمهوري.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن