المثقف المقولب: السلطة بصوت ناعم(36)

داود السلمان
2025 / 8 / 29

في المشهد الثقافي العراقي اليوم - بُعيد دخول الامريكان العراق، بغرض التسلط والهيمنة - يبرز نوع من المثقفين الذين لا يحملون من الثقافة سوى مظهرها الخارجي، بينما في الجوهر هم انعكاس ناعم للسلطة، وتعبير مخفف عن خطابها الموجّه. هذا النوع من المثقف لا يعيش على هامش السلطة، بل في قلبها، يؤدي أدوارًا ناعمة باسم "الاعتدال" و"الحكمة" و"الواقعية"، بينما يفرغ مفاهيم الحرية والنقد من معناها الحقيقي. ومن خلال تجربتي الشخصية ومعايشتي للواقع الثقافي في العراق، رأيت كيف تحوّل بعض من كنا نظنهم أصواتًا حرة إلى أبواقٍ مغلّفة بعبارات براقة، يبررون القمع بصمتهم، ويزينون الاستبداد بتحليلات مراوغة. المثقف هنا لم يعد صوت الضمير، بل غلافًا ناعمًا لآلة السلطة. وإن لم نكشف هذا القالب ونسمّه باسمه، سنظل نعيش في وهم التعددية، بينما الحقيقة أن الصوت المختلف يُقصى، والصوت المقولب يُكرّم. هذه ليست مبالغة، بل واقع نراه كل يوم، يتكرّر بأسماء وشعارات مختلفة، والنتيجة واحدة: تكريس الخضوع باسم الثقافة.
بالمقابل قد يبدو المثقف، في صورته الظاهرة، صوتًا للوعي، مُمثّلًا للضمير الجمعي، وفاعلًا نقديًا يقف في مواجهة الباطل، لكنه في كثير من الأحيان يتحوّل، دون أن يدرك، إلى أحد أكثر أدوات السلطة نعومة وتأثيرًا. إن خطورة المثقف لا تكمن في قدرته على المعارضة، بل في قدرته على التبرير، على خلق سرديات تجميلية للقبح، وتقديم الاستبداد في هيئة ضرورة، والهيمنة في هيئة حق. هنا لا يكون المثقف مجرد تابع، بل يصبح شريكًا في إنتاج وهم الحقيقة، وصناعة القبول، وتزيين القيود.
المثقف المقولب لا يُجبر على الصمت، بل يُمنح مساحة من الكلام مدروسة بعناية. هو لا يُقصى، بل يُحتضن، يُستقطب، يُمنح المنابر والجوائز، شريطة أن يظل صوته داخل الإطار، أن يكون نقده منضبطًا، مقبولًا، لا يهدد الأساس الذي تقوم عليه السلطة، بل يزينه، يُرمّمه، ويقدّمه في قالب عقلاني أو أخلاقي. وما يفعله هذا المثقف ليس كذبًا مباشرًا، بل أسوأ من ذلك: إنه انتقاءٌ خبيثٌ للحقائق، وتجاهلٌ منهجيّ للأسئلة الكبرى، وتقديمٌ دائمٌ لنصف الصورة، النصف الذي يُبقي الجمهور مخدّرًا ومتصالحًا مع ما لا ينبغي السكوت عليه.
في هذا الموقع، لا يبدو المثقف كعدو للحرية، بل كصديقها المضلل. يدافع عن «الاستقرار» في وجه «الفوضى»، ويمدح «الاعتدال» مقابل «التطرف»، ويُكرّر خطابات التوازن والحكمة والتدرّج، وكأن القمع ليس قمعًا، بل خيارٌ عقلاني في زمن مرتبك. هذا الصوت الناعم هو أخطر أشكال السلطة، لأنه يتسلل من داخل الثقة، لا من خارجها، ويُقدّم القيد على أنه حماية، والصمت على أنه تعقّل.
المثقف المقولب يكتب كثيرًا عن القيم، عن الأخلاق، عن التاريخ، عن الهوية، لكنه نادرًا ما يتحدث عن الجلاد المباشر، عن القهر اليومي، عن المسكوت عنه في الراهن. هو يُحبّ أن يتكلم عن السلطة كمفهوم فلسفي، لكنه لا يجرؤ على تسميتها حين تتجسد في واقعٍ ملموس. يتحدّث عن الحرية كشعار مجرد، لكنه يتلعثم حين تُطرح في سياقها السياسي الصريح. وربما يهاجم الاستبداد في مكان بعيد، لكنه يبرره — أو يصمت حياله — حين يلبس وجهه المحلي. إنه مثقف اختار أن يُدوّر الزوايا، أن يخفف النبرة، أن يراهن على البقاء في اللعبة بدلًا من كسر قواعدها. هذا النوع من المثقفين لا يحتاج إلى أمرٍ ليخضع، فقد تشرّب القالب حتى صار جزءًا من لغته الداخلية. أصبح يرى العالم من خلال نوافذ السلطة، ويحسب مواقفه وفق ميزان القبول، لا ميزان الحقيقة. لا يخون جهارًا، لكنه يخون بالصمت، بالتحوير، بالتأجيل الدائم للحظة المواجهة. ولعل الأخطر أنه يُقنع نفسه بأنه يفعل ما يستطيع، وبأن الحكمة تقتضي بعض التنازلات، وبعض الحذر، وبعض التواطؤ التكتيكي. وهكذا، يتحوّل التواطؤ المؤقت إلى قناعة دائمة، والموقف الرمادي إلى عقيدة.
لكن المأساة لا تنتهي هنا، بل تبدأ حين يصبح هذا المثقف هو النموذج المقبول والمرغوب فيه، وتُقصى الأصوات الحرة باعتبارها متهورة أو غاضبة أو غير واقعية. فيتم تطبيع القوالب، وتدوير الأدوار، ويعاد إنتاج مثقفين يشبهون بعضهم، يكتبون اللغة نفسها، يبتسمون على الشاشات ذاتها، ويُعيدون تكرار الأسطوانة التي تُخدّر ولا تُوقظ، تُفسّر ولا تُزعج، تُراضي ولا تُحرض.
في عالم تحاصره الأزمات والأنظمة والرموز، لم يعد الخطر فقط في السلطة الصلبة، بل في تلك التي تتسلل إلينا بأصوات ناعمة، عبر كتب ومقالات ومحاضرات وندوات، تنقل الرسائل ذاتها، لكنها بأدوات أكثر تهذيبًا. ولذا، فإن المعركة اليوم ليست فقط مع الاستبداد السياسي، بل مع النسق الثقافي الذي يُعيد إنتاجه تحت أسماء براقة، وبخطابات مدجّنة، وبمثقفين يبيعون السلطة على أنها العقل، ويبيعون الخوف على أنه نضج، ويبيعون السكوت على أنه فن التعايش.
بالتالي، يصبح أول واجبات المثقف الحقيقي هو أن يكشف القالب لا أن يسكنه، أن يفضح الخداع لا أن يشاركه، أن يُزعج بدل أن يُرضي. لأن الثقافة التي لا تُقلق، ليست ثقافة، بل صدى ناعم لصوت السلطة.
نصيحتي لبعض المساهمين في تأصيل الثقافة العراقية، وتحديدًا لمن يقرأ هذا الفصل من كتابي هذا، أن يعيد النظر في معرفته وثقافته. وهذا الفصل هو رسالة واضحة، وللتاريخ، توضح موقفي من الشخصي أزاء ما مرّت به الثقافية العراقي، من تردي ونكوص.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي