المثقف في مواجهة القوالب الأيديولوجية(35)

داود السلمان
2025 / 8 / 28

في بدايات حياتي، لم أكن أعيش كما ينبغي، بل كنتُ أُعاش من قبل منظومة فكرية لا أملك منها شيئًا سوى التكرار. كانت الأيديولوجيا الدينية مسيطرة عليّ بالكامل، تراقب أنفاسي، تحدد ما يجوز وما لا يجوز، وتزرع في داخلي شعورًا دائمًا بالذنب والخوف. لم يكن هناك متّسع للسؤال، فكل شيء محسوم، وكل جواب موجود مسبقًا. كنت كآلة تردّد ما يُلقّن لها، دون وعي، دون شك، ودون أدنى رغبة في التمرد.
الخطير في الأمر أنني لم أكن أدرك أنني مقموع، لأن القمع جاءني مغلفًا باسم الحق، ومشبعًا بالوعود المطلقة. كنت أظن أنني في النور، بينما كنت أعيش في ظلال سميكة من العمى المعرفي والروحي.
الخروج من هذا القالب لم يكن سهلًا. كان مؤلمًا، كأنك تنزع جلدك القديم قطعة قطعة. لكن مع الوقت، بدأت أتنفس بحرية، بدأت أفكر خارج السور، وأرى العالم كما هو، لا كما يُراد لي أن أراه.
التحرر لم يكن إعلان حرب على الدين، بل كان إعلان استقلال عن الأيديولوجيا التي اختزلته، وشوهت معناه الأعمق. الآن فقط، أشعر أنني أعيش لأول مرة، وأفكر لأنني أريد، لا لأنني مكلَّف بالتكرار.
وسؤالي: هل أعتبر نفسي اليوم متحررًا تمامًا من تلك الأيديولوجيا؟ ربما لا بشكل مطلق، لكنني لم أعد سجينًا لها كما كنت. ما زالت آثارها تظهر أحيانًا، في ردود أفعالي، في لغتي، في لحظات ضعفي، لكنها لم تعد تتحكم بي. أصبحت أراها بوعي نقدي، لا بخشوع أعمى. تحرري منها لم يكن قطعًا نهائيًا، بل مسارًا مستمرًا من التفكيك وإعادة البناء. اليوم، أفكر لنفسي، أشك، أراجع، أختار، وهذا وحده يكفي لأقول إنني خرجت من عباءتها، حتى وإن ظلت بعض خيوطها القديمة تلوّح لي من بعيد. التحرر الحقيقي، كما أراه الآن، هو الوعي المستمر لا الانفصال الكامل. (في مخطوطي، الذي لم يرَ النور بعد – بعنوان اعترافات ذكرت به أشياء مهمة).
وعلى كل حال، ليس من السهل أن يكون المرء مثقفًا حرًا في عالمٍ تحاصره الأيديولوجيات من كل اتجاه. فالمثقف، بطبيعته، كائن مشتبك مع الواقع، منفتح على الأسئلة، متشكك في اليقينيات، ومُحمَّل بوعي مزدوج: وعيٌ بالعالم كما هو، ووعيٌ بإمكانية تغييره. هذا الوعي المركّب هو ما يجعله يقف في مواجهة مستمرة مع القوالب الأيديولوجية التي تحاول تجميده، تأطيره، أو دفعه ليصبح بوقًا يخدم أهدافًا لا تصدر عن قناعاته الحقيقية، بل عن إملاءات خارجية تخنق دوره النقدي.
هذا هو اليوم ما يجري في الساحة الثقافية، في العراق، فضلا عن بقية الدول العربية.
في كثير من السياقات العربية والعالمية، تحاول الأيديولوجيات، سواء أكانت دينية أو قومية أو يسارية أو ليبرالية، أن تجتذب المثقف إلى صفوفها، لا بوصفه شريكًا حرًّا في إنتاج الوعي، بل كأداةٍ في خدمة الخطاب. وهنا تبدأ معركة خفية وخطيرة بين المثقف وهذه القوالب. فكل أيديولوجيا تسعى، بطبيعتها، إلى بناء منظومة مغلقة من المعاني، تحتكر الحقيقة وتدّعي امتلاك الطريق الوحيد نحو الخلاص، سواء أكان خلاصًا دنيويًا أم أخرويًا. والمثقف، إن أراد الحفاظ على نقاء موقعه المعرفي والأخلاقي، يجد نفسه مضطرًا إلى اتخاذ موقف شائك: أن يكون داخل الواقع لا خارجه، لكنه لا ينتمي كليًا لأي منظومة تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة.
الخطر لا يكمن فقط في الأيديولوجيا، بل في القالب الذي تفرضه. فالقالب الأيديولوجي، بطبيعته، لا يسمح بالأسئلة، بل يفضّل الشعارات. لا يقبل التعدد، بل يميل إلى اختزال العالم في معادلات بسيطة. وهو ما يناقض جوهر الموقف الثقافي الذي يرى الحقيقة في التشقق لا في الانغلاق، وفي التنوع لا في التنميط، وفي النقد لا في التلقين. وحين يقع المثقف تحت سطوة هذه القوالب، فإنه يتحوّل من فاعل نقدي إلى تابعٍ يُعيد إنتاج الخطاب المهيمن. وتصبح وظيفته حينها تبريرية، لا تحريضية، زائفة لا مقلقة، مُهادنة لا مشاكسة.
وهنا، السلطة، بجميع أشكالها، تدرك خطورة المثقف الحُر، وتسعى غالبًا إلى احتوائه أو تهميشه. لذلك، فإن القوالب الأيديولوجية تصبح في بعض الأحيان أداة سياسية لضبط المجال الثقافي وتوجيهه. والاحتواء لا يتم دومًا بالقمع، بل أحيانًا يتم بالإغواء: بتوفير المنابر، والمناصب، والاعتراف، شريطة أن يُلائم المثقف نفسه مع الخطاب السائد، وأن يضبط لغته وفقًا لقواعد القالب الذي انخرط فيه. وهنا، يواجه المثقف امتحانًا أخلاقيًا حادًا: هل يصمت ليحافظ على وجوده؟ أم يغامر بموقعه من أجل قول الحقيقة؟.
إن المثقف الحقيقي لا يبحث عن التطابق مع الجماعة، ولا عن الاصطفاف مع الأيديولوجيا، بل عن التحرّر من وهم الاصطفاف ذاته. هو يدرك أن الانحياز للعدالة لا يحتاج إلى إعلان الولاء لأي سلطة رمزية. وأن الدفاع عن الحرية لا يعني بالضرورة الاصطفاف مع التيارات التي تدّعي تمثيلها. فكم من خطاب رفع راية الحرية وهو يبني سجونه في الخفاء، وكم من أيديولوجيا نادت بالمساواة، لكنها أسست تراتبيات جديدة للوصاية والإقصاء.
إن أكبر ما يُهدد الثقافة هو تحوّلها إلى ملحق دعائي لأيديولوجيا ما، مهما كانت نبيلة في ظاهرها. لأن الثقافة، في جوهرها، مشروع تحرر دائم، لا مشروع تجنيد. والمثقف الذي يستسلم للقالب الأيديولوجي، حتى دون وعي، يتحول إلى حارس بوابة، يرفض ما لا ينسجم مع عقيدته الفكرية، ويتهم الآخر بالخيانة أو الجهل أو الضلال. وهكذا، من دون أن يدري، يصبح خصمًا للتفكير الذي كان يفترض أن يدافع عنه.
إن المثقف ليس معصومًا عن الخطأ، ولا خارج التاريخ، لكنه يملك ما لا تملكه الأيديولوجيا: القدرة على التراجع، على الاعتراف، على تغيير موقعه حين يكتشف خطأه. أما القالب الأيديولوجي، فيقوم على الجمود، وعلى فرض الولاء، لا الإقناع. ولهذا فإن المثقف يظل في حالة مواجهة دائمة، ليست مع سلطة بعينها فقط، بل مع بنية ذهنية تحاول مصادرة روحه. وفي النهاية، لا يُقاس المثقف بمقدار ما يكتب أو يقول، بل بمقدار ما يحافظ على استقلاليته، وبقدر ما يرفض أن يتحول إلى لسانٍ لغيره. فجوهر المثقف هو السؤال، لا الجواب. والشك، لا اليقين المُعلّب. والبحث المستمر عن المعنى، لا استهلاكه السريع من قوالب جاهزة. ومن هذا الموقع، يظل المثقف في مواجهة لا تنتهي مع الأيديولوجيا حين تتحول إلى سجن، ومع القوالب حين تتحول إلى قبور للحرية.
مراجع المقال:
1.الديمقراطية ومشكلاتها – جان جاك روسو، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، 1996.
2. سوسيولوجيا الحياة اليومية – إيرفينغ غوفمان، ترجمة كمال عبد الرؤوف، دار ابن النديم، 2019.
3. التمرد والمطاوعة – إريك فروم، ترجمة عبد السلام رضا، دار الخان، 2020.
4. الاغتراب في الفكر العربي – حليم بركات، مركز دراسات الوحدة العربية، 1984.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي