|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
احمد عناد
2025 / 8 / 26
حين يكتفي العقل
بأن يكون مرآة لما قيل، يبهرك بالانعكاس؛ لكن حين يجرؤ على الخلق، فإنه يصنع الأفق.
بين العقل التجميعي والعقل الخلّاق:
من صدى الماضي إلى صوت المستقبل
كثيرًا ما نصادف في محاضرة أو مقال أو حتى منشور عابر على وسائل التواصل، خطيبًا أو كاتبًا يبدأ حديثه وينهيه بعبارات منقولة: قال فلان، كتب فلان، روى فلان… حتى تتحول المادة إلى ركام من الاستشهادات والاقتباسات، كأن صاحبها يحمل مكتبة متنقلة لا عقلًا متسائلًا.
فنجد ثلثي ما يُطرح مأخوذًا من عصور غابرة ومفكرين سبقوا، بينما لا يترك المتحدث لنفسه سوى فسحة صغيرة يتنفس بها بين السطور.
هذا النمط من الطرح يعكس ما يمكن أن نطلق عليه العقل التجميعي:
عقل يكدّس المعارف ويعيد تدويرها بمهارة عرض، لكنه يفتقر إلى ذلك الوميض الذي يحوّل الفكرة إلى إضافة جديدة أو إلى قراءة مغايرة.
وكأن الغاية من الخطاب ليست إبداع معنى، بل استعراض ما قرأه أو ما حفظه من كتب ومقولات. فيغدو القارئ أو المستمع في جولة داخل مكتبة الآخرين، لكنه يخرج منها بلا جوهرة جديدة،
بلا سؤال ملحّ، وبلا أثر حقيقي.
على النقيض من ذلك، يبرز العقل الخلّاق، الذي وإن استشهد بقول أو استحضر قصة من التراث، فإنه لا يفعل ذلك إلا كجسر يقوده إلى رؤيته الخاصة او باباً فكريا يفتحه لك هنا يصبح الاقتباس مدخلًا لحوار مع الماضي، لا قيدًا يُكبّل الحاضر. فالعقل الخلّاق لا يخشى أن يضع بصمته، ولا أن يختلف مع من سبقوه. إنه يغامر ويغور في أعماق الفكرة،
بل يحفر في طبقاتها، ليقدّم خلاصة تشبهه هو،
لا أن يكون مجرد صدى لأصوات قديمة.
وهل قدم الصدى شياً يوما ً إلا طنين الآذان ولذه سريعا ما تنتهي .
ولعلّ أقرب ما يشبه هذا العقل الخلّاق هو المنهج الذي سلكه ديكارت في مشروعه الفلسفي. فديكارت أراد أن يحرر الفكر من أثقال الموروث، فوضع كل شيء موضع الشك،
حتى بدت الفلسفة أمامه صفحة بيضاء لا يُكتب فيها إلا ما يثبت بالعقل ذاته. لم يكن هدفه الهدم لمجرد الهدم، بل البحث عن يقين يُبنى عليه. وهنا يلتقي العقل الخلّاق مع الروح الديكارتية: كلاهما يرفض أن يكون مجرد ناقل أو حافظ، وكلاهما يجرؤ على تفكيك المألوف والبدء من جديد.
غير أن العقل الخلّاق لا يقف عند عتبة الديكارتية وحدها، فهو قد يتجاوزها نحو آفاق أوسع؛ إذ يقبل أحيانًا بالبقاء في فضاء الأسئلة بدل الركون إلى يقين نهائي. فالإبداع لا ينشد بالضرورة الحقيقة المطلقة، بقدر ما يسعى إلى توسيع أفق الفهم وإشعال جذوة التساؤل.
الفرق بين الاثنين جوهري:
الأول يكتفي بأن يكون ناقلًا أمينًا لما قيل،
أما الثاني فيغامر بأن يكون مبدعًا، مؤسسًا لفكرة تظل حيّة بعده.
فالتجميع قد يثير الإعجاب بكثرة الاطلاع، لكن الخلق هو ما يترك الأثر ويفتح الأفق.
ولهذا، فإن حاجتنا اليوم ليست إلى مزيد من “العقول المكتبية” التي تكدّس المراجع، وتردد ما قيل وقال فلان بل إلى عقول شجاعة تجرؤ على السؤال، وتغامر بالطرح، وتترك وراءها أثرًا يتجاوز حدود الاقتباس.
بل عقول تخلق الجديد وتقدم فلن ينفعنا من قال بل ما ينفعنا هو الفكرة الطرح الناضج والخلاق .
ويبقى السؤال: هل نرضى لأنفسنا أن نكون صدى لما قيل، أم نجرؤ أن نصبح صوتًا يضيف، ويحاور، ويخلق ما يستحق البقاء؟؟
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |