ومضة ضوء: إحياء حركة أنصار السلام المصرية حلم قديم لضرورة الواقع.

محمد سعد خير الله
2025 / 8 / 20

منذ السابع من أكتوبر 2023، عندما نفذت ميليشيات حركة حماس عملية إرهابية ضد المدنيين الإسرائيليين العزّل، تشهد مصر تصاعدًا مرعبًا في موجة عداء السامية. بلغت هذه الموجة ذروتها في الشارع المصري، حتى لخّصها أحد أصدقائي بقوله: "إن أي كلمة إيجابية تقولها عن إسرائيل بصوت عالٍ، حتى ولو دون قصد، في أحد مقاهي القاهرة الراقية، قد تتسبب في إنهاء حياتك فورًا". فما بالك إن قيلت هذه الكلمة الإيجابية في الأحياء الشعبية أو العشوائيات؟

إن هذه الحالة ليست عابرة، بل نتيجة مباشرة لعقود من مأسسة الكراهية والتحريض ضد إسرائيل التي كرّسها النظام العسكري السلطوي في مصر. والسؤال الملحّ اليوم: هل يكتفي أنصار السلام المصريون بالمشاهدة؟ وهل سيبقى المجتمع المصري رهينة لهذه الثقافة المعادية إلى الأبد؟ وماذا سيحدث لو انفجرت الأوضاع في مصر ـ لأسباب سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية كثيرة ومعروفة ـ في بلد يقترب عدد سكانه من 110 ملايين نسمة، وقد ترسخ في وعيه أن العداء لإسرائيل عقيدة وهوية؟

جذور قديمة لحلم السلام الشعبي.

قبل أربعة وسبعين عامًا، وُلدت في مصر حركة رائدة عُرفت باسم "حركة أنصار السلام المصرية". كانت جبهة وطنية انطلقت في يناير 1951 كمبادرة من "حدتو" (الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني) لتكون فرعًا لمجلس السلام العالمي، الذي تأسس بدوره استجابةً لنداء ستوكهولم الذي أطلقه العالم الفرنسي فردريك جوليو كوري عام 1950.

في ذلك الوقت، وقّع أكثر من 12 ألف مصري على هذا النداء التاريخي، وهو رقم هائل في سياق تلك المرحلة. وسرعان ما تأسست الحركة، واختير المحامي يوسف حلمي سكرتيرًا عامًا لها ورئيسًا لتحرير مجلتها. ضمّت اللجنة التحضيرية أسماء مصرية بارزة مثل كامل باشا البنداري، سيزا نبراوي، عزيز باشا فهمي، محمد مندور، إبراهيم طلعت، إلى جانب كمال عبد الحليم ممثل "حدتو"، ويوسف المدرك ممثل اتحاد العمال، وغيرهم كثيرون.

كان حلم هؤلاء جميعًا واضحًا: بناء سلام شعبي حقيقي بين المصريين والإسرائيليين. والمهم أن هذا الحلم جاء مباشرة بعد قرار التقسيم وحرب 1948، أي في وقت كانت فيه العاطفة المعادية في أوجها.

رواد مصريون حلموا بالسلام قبلنا.

لم يكن يوسف حلمي ورفاقه وحدهم. عبر العقود، رفع العديد من الرموز المصرية صوتهم دفاعًا عن السلام، مؤكدين أن الحوار والتعايش قيمة إنسانية قبل أن يكونا خيارًا سياسيًا:

1. طه حسين: عميد التنوير، زار الجامعة العبرية في القدس عام 1944، مؤمنًا بأن المعرفة والحوار هما السبيل لتفكيك الجهل المتبادل.

2. نجيب محفوظ: أديب نوبل، فتحت أعماله نافذة ثقافية على العالم عبر ساسون سوميخ، الناقد العراقي-الإسرائيلي الذي ترجم ودرس رواياته.

3. فرج فودة: دفع حياته ثمنًا لموقفه الشجاع في الدفاع عن الاعتراف المتبادل واعتبار السلام شرطًا لبقاء المنطقة.

4. علي سالم: رحلته الشهيرة إلى إسرائيل وكتابه "رحلة إلى إسرائيل" جسّدا أن التعايش ممكن إذا توافرت الشجاعة.

5. أمين المهدي: يُعد من أبرز العقول المصرية التي دعت بوضوح إلى تفكيك خطاب الكراهية العربي تجاه إسرائيل. وقد خلّف إرثًا فكريًا مهمًا، من أبرز محطاته كتابه المرجعي "الصراع العربي الإسرائيلي: أزمة الديمقراطية والسلام"، وهو من المراجع النادرة التي تناولت تجربة "حركة أنصار السلام المصرية"، تلك الحركة التي آمل اليوم أن نعيد إحياءها.

لماذا نحتاج إلى إحياء الحركة الآن؟

إن الدعوة إلى إحياء حركة أنصار السلام المصرية اليوم ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة تاريخية ووطنية. فهناك أسباب متعددة تجعلها واجب اللحظة:

أولًا، لأن البديل كارثي: استمرار مأسسة الكراهية والعداء لن يقود إلا إلى مزيد من التطرف والعنف. في بلد مزدحم ومأزوم كالمجتمع المصري، أي انفجار شعبي سيكون له تداعيات مدمرة على الداخل وعلى المنطقة بأكملها.

ثانيًا، لأن مصر تملك رصيدًا تاريخيًا: وجود هذه الحركة في الخمسينيات دليل على أن السلام الشعبي حلم مصري أصيل، سبق الحكومات والاتفاقيات الرسمية. إعادة إحيائه هو استكمال لمسار لم يكتمل.

ثالثًا، لأن المستقبل يتطلب شجاعة فكرية: في عالم يتغير بوتيرة متسارعة، فإن التحديات المشتركة بين مصر وإسرائيل ـ مثل أزمة المناخ، وندرة المياه، وأمن الغذاء، والطاقة، والتكنولوجيا، وغيرها ـ لا يمكن مواجهتها بتفاهمات حكومية سطحية وباردة، بل تحتاج إلى تعاون شعبي حقيقي يقوم على الثقة المتبادلة والإرادة المشتركة.

رابعًا، لأن مصر تستحق أن تتحرر من وهم العداء الأبدي: هذا الوهم صنعته السلطة واستغلته، لكن الشعوب لا يجب أن تبقى رهينة دعايات سياسية عابرة.

نحو وعي جديد للسلام

إحياء حركة أنصار السلام المصرية اليوم يعني تفكيك سرديات الكراهية التي تراكمت عبر عقود في الخطاب الرسمي والديني والتعليمي والإعلامي، وإعادة الاعتبار إلى رموز التنوير الذين آمنوا بالسلام، وفتح مسارات إنسانية وثقافية جديدة بين الشعبين المصري والإسرائيلي تُمهّد لوعي مختلف قائم على التفاهم والتعايش.

ليس المطلوب أن تكون هذه الحركة معارضة للنظام السياسي في القاهرة، بل أن تكون حركة فكرية إنسانية تستعيد للمصريين حقهم في التفكير الحر، وتفتح آفاق التعايش بعيدًا عن الحسابات العسكرية والدعائية.

إننا بحاجة إليها لتقود المجتمع المصري من حالة العداء الأعمى إلى وعي عقلاني، يدرك أن السلام ليس خيارًا سياسيًا عابرًا، بل الضمانة الوحيدة لمستقبل أكثر عدلًا واستقرارًا في مصر وإسرائيل والمنطقة بأسرها. فهل يفعلها أنصار السلام المصريون ويعيدون إحياؤها؟؟

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر