|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
صادق جبار حسين
2025 / 8 / 17
ها قد عاد شيعة العراق كلًا الى بيته بعد ان أحيوا مناسبة مقتل الحسين ، ورددوا شعارات مقارعة الظلم والاستعباد وغيرها من شعارات المعارضة والمقاومة الرنانة عادوا الى ماسيهم وجوعهم وفقرهم وذلهم والظلم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الذي يعيشونه منذ تولي أبناء جلدتهم ومذهبهم الحكم في العراق الجديد عراق القائد الجعفري .
في كل عام، يتكرر المشهد ذاته: ملايين الشيعة يتدفقون سيرًا على الأقدام إلى كربلاء لإحياء ذكرى مقتل الحسين. رجال ونساء وأطفال، يحملون الرايات، يضربون صدورهم، ويهتفون بشعار خُلد في التاريخ: “هيهات منا الذلة”. لحظات مشحونة بالعاطفة والإيمان والدموع، تجعلك تظن للحظة أن هذه الأمة قد تحررت فعلًا من الذل، وأنها سارت على خطى الحسين كما يدعون في مواجهة الطغاة.
لكن ما إن تنتهي هذه المسيرات المليونية، حتى يعود الجميع إلى واقع لا يعرف سوى الذل بكل أشكاله. ذل في الشارع، ذل في الوظيفة، ذل أمام دوائر الدولة، ذل في انقطاع الكهرباء، ذل في المستشفيات، ذل في المدارس، ذل في كل تفاصيل الحياة. فأي عزة تلك التي يرفعون شعارها، بينما هم يعيشون أسوأ أنواع المهانة؟
الحسين ثار ضد الظلم ، وضد استغلال الدين، وضد الفساد كمًا تروي كتب التاريخ . لكن ماذا فعلت الحكومات الشيعية التي حكمت العراق بعد 2003؟
استغلت اسم الحسين لتنهب ثروات العراق، لتبني القصور في الخارج، ولتترك أبناء الجنوب – الذين يُفترض أنهم “أتباع الحسين” – يعيشون في بيوت طينية، يبحثون عن عمل فلا يجدون، وعن ماء صالح للشرب فلا يعثرون.
حتى شعار “هيهات منا الذلة” لم يسلم من الابتذال. صار سلعة في خطابات الساسة، يُستخدم لتبرير بقاء الفاسدين في الحكم، ولإسكات الناس كلما حاولوا أن يصرخوا ضد ظلمهم. العزة التي تكلم عنها الحسين صارت مجرد يافطات تعلق في المواكب، بينما الحقيقة أن هؤلاء الملايين أنفسهم يعيشون ذلًا ما بعده ذل.
المضحك المبكي أن المواطن الشيعي البسيط، الذي يقطع مئات الكيلومترات سيرًا إلى كربلاء، يجد نفسه يأكل ويشرب في المواكب التي تمولها نفس الأحزاب التي سرقته! يمد يده إلى لقمة من يد من نهب رزقه، ثم يهتف خلفه: “هيهات منا الذلة”. مفارقة مضحكة مبكية ؟ أليس هذا هو الذل بعينه؟
الحسين حين صرخ “هيهات منا الذلة”، كان يواجه طاغية يريد أن يفرض على الأمة الاستسلام. أما الشيعة في العراق اليوم، فإنهم يواجهون طغاة من نوع آخر: طغاة يتكلمون باسم الحسين، يلبسون السواد، يشاركون في المواكب، بل يبكون أحيانًا مع الناس، ثم يخرجون من كربلاء ليوقعوا عقود الفساد، وليبيعوا العراق والعراقيين بكل طوائفهم وأديانهم ومذاهبهم بالمزاد العلني.
ولأن الناس لا يريدون مواجهة الحقيقة، فقد اختاروا الهروب إلى الطقوس. يبكون الحسين، لكنهم لا يبكون أنفسهم. يلعنون يزيد، لكنهم يسكتون أمام “يزيدات” جدد يسرقون حاضرهم ومستقبلهم. يعودون من كربلاء مفعمين بالعاطفة، لكنهم لا يعودون بعزة ولا بكرامة.
إن شعار “هيهات منا الذلة” صار اليوم مجرد صوت بلا فعل بلا معنى او قيمة حقيقية . يُرفع في الشوارع لكنه يُسحق في الواقع. فلو كان الحسين حاضرًا بينهم، لرأى أن الملايين الذين يزعمون أنهم أتباعه، يعيشون ما لم يرضَ هو أن يعيشه يومًا واحدًا. لقد رفض أن يبايع يزيد لأن ذلك يعني ذل الأمة، بينما هم بايعوا عشرات من أمثال “يزيد” بملء إرادتهم وحريتهم فقط لانهم من ذات مذهبهم حتى لو كانوا لصوص وقتلة وفجار .
الحسين قال: “إني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح”. فأين هو الإصلاح في عراق اليوم؟
أين هي الدولة التي تنصف الفقير وتحقق العدالة؟
أين هو الشعب الذي يثور ضد الفساد كما ثار الحسين ضد الاستبداد؟
الحقيقة أنهم لم يثوروا، بل اعتادوا الذل حتى صار جزءًا من حياتهم اليومية.
العراقي اليوم يهتف: “هيهات منا الذلة”، لكنه يقف ساعات طويلة في طوابير للحصول على وظيفة بالواسطة، أو معاملة في دائرة فاسدة، أو وقود لسيارته. يهتف بالعزة، لكنه يدفع الرشوة لموظف صغير كي يمرر له معاملة. يهتف بالكرامة، لكنه يقف صامتًا أمام زعيم حزبي يسرق المال العام.
الحسين لو كان بينهم لصرخ في وجوههم: “أنتم ترددون شعاري وتعيشون عكسه”. لكنه غير موجود، ولذا بقيت الكلمات مجرد شعارات تُرفع كل عام، بينما الواقع يسير في اتجاه آخر تمامًا: مزيد من الذل والهوان والعبودية باسم العزة.
لم تعد زيارة الأربعين مجرد إحياء لذكرى ثورة، بل صارت مسرحًا لتناقض مأساوي: ملايين يرددون شعار العزة، ثم يعودون إلى حياة لا تعرف سوى الذل. حكومات فاسدة تستغل الدين والشعارات لتبقى في الحكم، وشعب يكتفي بالبكاء واللطم بدلًا من الثورة والتغيير.
فأين هي العزة التي يهتفون بها؟
لقد دفنوها بأيديهم، وتركوا شعار الحسين حبيس اللافتات، بينما واقعهم يصرخ: “هيهات منا العزة ”.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |