|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
احمد عناد
2025 / 8 / 17
الدين بين العبادة والأخلاق… وسؤال الاستغلال
الجزء الاول
الدين، في جوهره الأصيل، ليس طقوسًا فحسب ولا شعائر متكررة على سجادة الصلاة أو أمام مذبح العبادة، بل هو لغة أعمق تربط الإنسان بما وراء وجوده. إنه البوصلة التي توجه القلب نحو السكينة، وتفتح للإنسان بابًا للمعنى في عالم يزداد قلقًا واضطرابًا.
الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط رأى أن الأخلاق تترسخ حين يشعر الإنسان بالواجب تجاه ذاته والآخرين، وأن الدين يعمّق هذا الشعور فيجعله التزامًا داخليًا لا مجرد عرف اجتماعي. وفي ذات المعنى، يقول الإمام علي بن أبي طالب (ع): “إنما هي نفسي أروضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الفزع الأكبر”، ليدلنا أن العبادة ليست معزولة عن الأخلاق، بل هي تهذيب للنفس وانعكاسها في الواقع.
ولعل ما ذهب إليه غاندي يضيء هذا البعد الإنساني حين قال: “الأديان الحقة جميعها تعلمنا السيطرة على النفس، وتجعلنا نقترب من الحقيقة، وتزرع فينا روح الخدمة والتسامح”. فالدين، متى تحرر من التعصب والاستغلال، يصبح منبعًا للسلام والعدل والمحبة.
غير أن تاريخ البشرية لم يخلُ من تشويه هذا الجوهر. فقد استُخدم الدين في مختلف الحضارات والديانات كوسيلة للهيمنة السياسية أو الاقتصادية أو حتى العسكرية. ومن هنا يتجلى السؤال الفلسفي: هل الخلل في الدين ذاته، أم في تأويل الإنسان الذي يلبسه ثوب مصالحه؟
استغلال الدين في اليهودية
في التاريخ القديم، تحوّل الدين اليهودي من رسالة أنبياء تدعو للعدل والتوحيد إلى ذريعة للتمييز والانعزال. النصوص التوراتية وظّفها بعض الكهنة لإعلاء شأن “شعب الله المختار”، مما أفرز نزعة تفوّق ديني وقومي. وحتى اليوم، تُستغل بعض النصوص لتبرير الاستيطان والهيمنة في فلسطين. وهنا نجد مثالًا على كيفية تحوير النص المقدس ليخدم مشروعًا سياسيًا قوميًّا على حساب قيم العدل التي بشرت بها النبوات.
استغلال الدين في المسيحية
أما في المسيحية، فقد تحوّل الصليب، رمز التضحية والمحبة، إلى شعار للحروب الصليبية التي سُفكت باسمها دماء لا تحصى. في العصور الوسطى، استغل رجال الكنيسة سلطتهم الروحية لفرض سيطرة زمنية، فبيعت “صكوك الغفران” مقابل المال، مما حوّل الخلاص إلى سلعة تجارية. حتى الفيلسوف فولتير علّق ساخرًا: “لم يُسفك دم في التاريخ كما سُفك باسم الدين”. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن ذات المسيحية ألهمت القديسين مثل فرنسيس الأسيزي ومارتن لوثر كينغ لاحقًا، ليجعلوا منها دعوة للتحرر والمحبة.
استغلال الدين في الإسلام
وفي الإسلام، الدين الذي بدأ ثورة على الظلم الاجتماعي ونداءً للعدل والمساواة، لم يسلم هو الآخر من التوظيف السياسي. منذ الصراع على الخلافة بعد وفاة الرسول، وحتى عصور الدولة الأموية والعباسية، تم توظيف النصوص الدينية لتبرير الحكم المطلق وقمع المعارضة. في العصر الحديث، استُغل الإسلام لتعبئة الجماهير في صراعات طائفية، أو لتبرير الإرهاب، وهو ما أساء إلى جوهر رسالته القائمة على الرحمة: “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”.
مقارنة ختامية
إذا تأملنا المشهد، نرى أن استغلال الدين ليس حكرًا على ديانة بعينها، بل هو ظاهرة بشرية تتكرر حيثما يلتقي النص المقدس مع شهوة السلطة. في اليهودية جرى توظيف العقيدة لإنتاج نزعة تفوق قومي؛ وفي المسيحية تحوّل الخلاص إلى تجارة وحروب؛ وفي الإسلام أُقحم الدين في صراعات الحكم والسياسة.
المشترك بين هذه التجارب أن النصوص في جوهرها تحمل قيمًا سامية، لكن الإنسان، حين يقرأها بعين المصالح، يحوّلها إلى سلاح. وكما يقول الفيلسوف سورن كيركغارد: “المشكلة ليست في المسيحية ذاتها، بل في أولئك الذين لم يعيشوها حقًا”. ويمكن إسقاط هذا القول على كل الأديان: العيب ليس في الدين، بل في من يتعامل معه كأداة سلطة لا كرسالة خلاص.
نحو قراءة متحررة
يبقى التحدي الفلسفي والإنساني: كيف نحمي الدين من الاستغلال؟ ربما يكمن الحل في استعادة جوهره الأخلاقي والروحي، وفصل قدسيته عن صراعات السلطة. فحين نعيد الدين إلى مكانه الطبيعي — بوصلةً للمعنى، ومصدرًا للأخلاق، وجسرًا للمحبة — يتحرر من الأقنعة التي يلبسها المستغلون، ويعود كما أرادته السماء: طريقًا للإنسان نحو إنسانيته
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |