لا الحسين وصوت اليوم

احمد عناد
2025 / 8 / 15

لا الحسين… وصوت اليوم

“حين يكون الامتناع موقفًا… والرفض شهادة… فهل نملك شجاعة أن نقول لا؟
في صباح من صباحات التاريخ، وقف الحسين بن علي على أعتاب قدره، ووراءه مكة، وأمامه كربلاء، وفي قلبه يقين لا تزعزعه سيوف الدنيا كلها. عرضوا عليه البيعة ليزيد، فابتسم بصلابة وقال للعالم: إن الشرعية لا تُشترى بالخوف، ولا تُمنح بالقهر، ولا تُكتسب بالأغلبية الصامتة. تلك اللحظة لم تكن مواجهة بين رجل وحاكم فحسب، بل بين مبدأ وباطل، بين ضمير الأمة وغريزة السلطة.

واليوم، وبعد قرون، تقف الشعوب أمام صناديق اقتراع تُزيَّن بشعارات الديمقراطية، لكن كثيرًا منها لا يحمل إلا وجوهًا أُعيد إنتاجها من نفس الطين الفاسد. والسؤال الذي يطلّ علينا من زمن الحسين: أهي بيعة بوجه جديد؟ أم أن الامتناع عن التصويت، حين تصبح الخيارات بين الفاسد والفاسد، هو صرخة رفض تشبه “لا” الحسين في وجه يزيد؟

البيعة والانتخاب.. تشابه في الجوهر، اختلاف في الشكل

عندما رفض الحسين بن علي مبايعة يزيد، لم يكن الموقف مجرد قرار شخصي، ولا نزاعًا على سلطة، بل كان موقفًا مبدئيًا في وجه حكم يراه جائرًا، فاقدًا للشرعية الأخلاقية والسياسية. البيعة في ذلك العصر كانت العقد السياسي–الاجتماعي الذي يمنح الحاكم مشروعيته، تمامًا كما يُمنح اليوم المرشح شرعية الحكم من خلال الانتخابات.

الحسين قال كلمته الشهيرة: “إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي”، وهذه العبارة تختصر أن شرعية أي سلطة تُقاس بقدرتها على الإصلاح وتحقيق العدل، لا بمجرد حصولها على “الأصوات”.

علي شريعتي يلخص الأمر بقوله: “الاستبداد لا ينحصر في شخص الحاكم، بل في قابلية الناس لأن يُستبد بهم”، وهي جملة تضع المسؤولية على وعي الشعب، لا على الحاكم فقط.

المقاطعة كأداة سياسية
المقاطعة ليست انسحابًا سلبيًا بالضرورة، بل قد تكون أحيانًا موقفًا سياسيًا واعيًا يهدف إلى سحب الشرعية من سلطة أو نظام انتخابي مختل. في الفكر الديمقراطي، هناك نقاش طويل حول فاعلية المشاركة مقابل المقاطعة.

يقول شريعتي: “أعظم خيانة هي أن تصمت حين يجب أن تتكلم”، والصمت هنا لا يعني عدم الذهاب إلى الصندوق، بل عدم التعبير عن رفض النظام المختل بوضوح. المقاطعة الواعية قد تكون نوعًا من هذا التعبير إذا كان التصويت يعني تجديد شرعية الفساد.

النصف زائد واحد.. مشكلة الأغلبية النسبية
من أبرز إشكالات الديمقراطية التمثيلية اليوم أن فوز مرشح أو حزب بنسبة “النصف زائد واحد” يعني بالضرورة أن نصف الشعب لم يمنحه الشرعية، ومع ذلك يحكم باسم الجميع.

يقول توماس جيفرسون: “عندما تصبح الحكومة فاسدة، فإن واجب الشعب ليس فقط الحق، بل الواجب، أن يغيّرها. وإذا لم ينهض الشعب لذلك، فسوف يتحول حقه في الاختيار إلى أداة بيد الفاسدين لإدامة سلطتهم”. وهذه الفكرة تنسجم مع موقف الحسين الذي رفض منح الشرعية لحكم يراه باطلًا.

الخلاصة
رفض الحسين مبايعة يزيد كان إعلانًا أن الشرعية لا تُمنح لمجرد القوة أو العرف السياسي، بل يجب أن تستند إلى الحق والعدل. وكما قال شريعتي: “كن أنت الحسين في عصرك”، فإن المبدأ نفسه يمكن أن يكون مرشدًا لنا اليوم: إذا كانت صناديق الاقتراع لا تتيح إلا إعادة إنتاج الفساد، فإن الامتناع الواعي قد يكون أقرب إلى موقف الحسين من المشاركة الشكلية التي تمنح الفاسدين شرعية جديدة.

لكن يبقى السؤال مفتوحًا أمام كل فرد: هل المقاطعة اليوم أداة فعالة للتغيير، أم أن إصلاح النظام من الداخل بالمشاركة هو الطريق الأقل كلفة؟ التاريخ يعطينا الأمثلة، لكن القرار يظل ملك الشعوب الحية