|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

داود السلمان
2025 / 8 / 14
تبدأ أفكارنا في الغالب كتراتيل موروثة لا وعي بها. نولد ونحن نردد ما قيل لنا، كأننا أجهزة تسجيل تستهلها عبارات الأجداد، طُرق التفكير الموسومة في عقولنا قبل إدراكنا حتى لمن يمليها. نعيش طويلاً محمولين على سخاء منحي للمعرفة، لا نعرف أنه من مشاعل العصمة، ولا نعرف أن المعرفة يجب أن تُزرع فيّا، لا تُلقى عليَّ. وحين تبدأ الشكوك بالتبلور، وتخترق الإطار الآمن، يصير الوعي فعلًا عنيفًا. تبدأ الصور القديمة بالتفتُّت، ويبدأ العالم الداخلي بالنفاد. السؤال الأول لا يُسمع بالضرورة، لكن حين ينبثق، يصبح ثورة. "من قال هذا؟"، "لماذا أؤمن بذلك؟"، "هل هذه الفكرة لي؟"- يمكن لتلك المفردات البسيطة أن تخلق فجوة خطيرة داخل المراقبة الاجتماعية للعقل. ذلك السؤال، يكشف أننا لا نفكر إلا حين نفكر في فكرة التفكير نفسها.
الاعتراف، هنا، يصبح لحظة تمرّد لطيف. أن تقول: "لقد تلقّيت هذا"، أو أن تقترح: "وهذا أريد أن أعيه الآن". الاعتراف ليس مذابح لغوية، بل هو فتح باب الحيرة على نفسه. هو لحظة مواجهة بين الذات والماضي التلقيني، بين قناعات غُرست فيها وأفق جديد يشق طريقه بصعوبة. في تلك اللحظة، يتوقف الخطاب الداخلي عن أن يكون نسخة طبق الأصل، ويصبح فعل إنساني متجدد.
لكن البيئة لا ترحب بالتشكك. المجتمعات تبني أطرها على قِيَم لا تُساءل تحت ذريعة صالح الكل. التفكّر، هنا، يُعدّ خروجًا عن الإجماع، تهديدًا للصورة الموحدة. المثقف الذي يمارس الشك لا يُستعاد إلا كخارج عن الشاشة، أو «منحرف فكري»، لا كمن يساهم في تطوير الحواس العقلية للمجتمع.
الوعي ، من جانبه، أمر تطوعي، لكنه أشدّ عنفًا عندما يُمارس داخليًا. إنه يفرض على صاحبه أن يراجع، ويعيد الصياغة، ويُخترق في قاعه الذاتي مئات المرات. ومهما وصل إلى من استنتاجات، يعود دائمًا إلى نفسه، يسأل: هل كتبت هذا لأنّي رأيت المعنى أم لأنني كنت أؤسس له فقط؟.
هنا تصبح الحرية الفكرية أمر لازم، أي ليس أن نخرج عن السياج، بل أن نصعد على الحاجز، نسقطه، ونقف من داخله مرة أخرى، لكن هذه المرة كمن يرى الأرض من الأعلى، لا كأحد يتحرك داخل القفص المُحكم. بل هي أن تعترف بأنك لم تبنِ كل زوايا فكرك بنفسك، لكنك تسعى لذلك. وأنك لا تهرب من التنافر، بل تطعنه في ظهره ليفكّر في نفسه. هذه هي الأولوية الأولى للذات، في زمن بات فيه التسليم أبسط طريق… وأعمق السجون.
لكن الإنسان لا يكتمل وعيه دفعة واحدة، بل يأتيه الإدراك على شكل خيبات، وارتطامات، وأسئلة تتكرر حتى تصبح غير قابلة للسكوت. تبدأ رحلة التفكيك لا بإجابات حاسمة، بل باللايقين. في هذه المنطقة الرمادية يولد الوعي ككائن هشّ، بلا يقين ولا انتماء نهائي، لكنه قادر على الرؤية دون وسطاء. وهنا، يبدأ الانفصال التدريجي عن ما تلقّاه، ليس لأن ما تلقّاه كان خطأ بالضرورة، بل لأنه لم يكن خيارًا، بل قيدًا.
الفكرة الحقيقية لا تُستعار، إنها تُنتج، تُلد من عمق الصراع الداخلي، من المواجهة مع الذات والبيئة والمقدس والعرف. كثيرون يظنون أنهم أحرار لأنهم يعيدون قول ما قيل بلغة جديدة، أو يهاجمون تقاليدهم بنبرة أكثر جرأة، لكنهم لا يفعلون أكثر من استبدال قيد بآخر، وسيدٍ بسيدٍ جديد. الحرية الفكرية ليست خروجا من الموروث إلى نقيضه، بل هي الخروج من أسر التقليد، أياً كان مصدره، إلى مساحة تسمح بإعادة النظر في كل شيء.
بالمقابل، في مجتمعاتنا، تُغلف التبعية الفكرية باسم الوفاء، ويُكافأ الخنوع المعرفي باسم الثبات على المبدأ، ويُحتفى بالذاكرة الجماعية أكثر من العقل الفردي. لا يُطلب منك أن تفكّر، بل أن تكرّر، لا أن تكتشف، بل أن تحفظ، لا أن تناقش، بل أن تطيع. ولهذا فإن الوعي الحر، حين يوجد، يُنظر إليه كتهديد، ويُحاصر لا بقوة القمع فقط، بل بقوة النبذ الاجتماعي، والشعور بالذنب، وتأنيب الضمير الذي تمت برمجته منذ الطفولة ليكره الخروج عن الجماعة.
لكن الفكرة، حين تنبثق من داخلك لا من حولك، تصبح كائناً حيّاً لا يمكنك إنكاره. تشعر أنك لا تملكها فقط، بل أنها أصبحت أنت. لا تعود مجرد رأي، بل بصمة وجود. ومن هنا، لا يمكنك أن تعود كما كنت، لأنك إن فعلت، فإنك تنكر التجربة التي شكلتك. وهذا ما يجعل الوعي الفعلي فعلاً لا رجعة فيه، وعبوراً لا يمكن التراجع عنه دون أن تفقد نفسك.
أن تشكّ ليس خيانة، وأن تفكّر ليس كفراً، وأن تعيد قراءة المسلمات لا يعني أنك ضدها، بل ربما تحاول لأول مرة أن تفهمها حقًا. كل فكرة لا تقبل المراجعة، لا تستحق أن تكون جزءاً من وعي حر. وكل خطاب يطالبك بالإيمان دون فهم، هو خطاب يخاف منك، لا عليك.
في المحصلة النهائية، تشكيل الأفكار لا يكون فعلاً واعيًا إلا حين نعيد هندسة ما تلقّيناه، نجرّده من سلطته الرمزية، ونسمح له أن يخضع للامتحان. الفكرة التي تنجو من المحاكمة تبقى، والتي تنهار تحت السؤال لا تستحق أن تُحمل أكثر. وبين هذا وذاك، يبدأ الإنسان في التحوّل من مخلوق لغوي تلقّى الحياة جاهزة، إلى كائن حرّ يصنعها من جديد.
مراجع المقال:
1.العقل والتنوير في الفكر العربي المعاصر – عاطف العراقي؛ دار قباء للطباعة والنشر – القاهرة، الطبعة الأولى 1998،
2. نقد الفكر الديني – صادق جلال العظم؛ دار الطليعة – بيروت، طبع أول 1969
3.الفكر الحر – أندريه ناتاف؛ دار نشر غير محددة، الطبعة 2022.
4.الحرية الفكرية والدينية – د. يحيى رضا جاد؛ دار نشر غير محددة، الطبعة 2014.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |