رحلة في أزقة الزمن وذاكرة الحجر

سعد العبيدي
2025 / 8 / 13

لم نعتد السفر بسيارة كرفان، فقد بقيت الفكرة أسيرة الأمنيات المؤجَّلة منذ سنين، حتى أطلّ صباح أحدٍ مشمس حار، يحسب نادراً في بريطانيا، صار بطاقة دعوة لتحقيق الحلم، مقرونةً بواجب تعزية اجتماعي يقودنا الى الشمال.
كانت الشمس تفرش الطريق بخيوط ذهبية تتسلّل بين أغصان الأشجار، وتنحدر فوق أسطح الحقول الخضراء الممتدة بلا نهاية. سياج من الشجيرات يضم المراعي، وأبقار وخراف متناثرة كأنها نقاط حبر سوداء وبيضاء على صفحة منسوجة بالأخضر، فيما تعبق رائحة العشب الطازج في الهواء، مكتملةً بذلك لوحة ربيعية باذخة.
ومع اقترابنا من ستامفورد، راحت حجارتها الرمادية تلوح في الأفق، كحارس عجوز يفتح ذراعيه للقادمين إليها، مدينة صغيرة لا يتجاوز سكانها اليوم بضعة وعشرين ألفًا، أقدم بكثير من حجمها، إذ كانت في العصور الوسطى قلبًا نابضًا لتجارة الصوف والحياكة، ترسل أقمشتها الفاخرة إلى أسواق أوروبا والعالم. وفي القرن السابع عشر تحولت إلى عقدة مواصلات للعربات البريدية، فازدادت حيويتها وثراؤها.
شوارعها الضيقة المرصوفة بالحجر ما زالت تحتفظ بوقع الخطى التي مرّت عليها قرونًا، والمباني الجورجية تقف كصفحات مفتوحة من كتاب معماري عريق.
كنائسها ليست جدرانًا صماء، بل ذاكرة تشهد على زمان كانت فيه نابضة؛ فكنيسة "جميع القديسين" ببرجها المهيب تراقب الساحة منذ القرن الثالث عشر، ونوافذها الملوّنة تسرد قصص الإيمان والحروب والأوبئة. وعلى مقربة، ترتفع كنيسة "سانت ماري" بعمارتها القوطية وبرجها الحاد، يلمع تحت الشمس كإصبع يشير نحو الخلود، ويشهد على التغير بعد أن تحول الدخول إليها من الصلاة إلى التمتع بالعمارة والزخرفة ونضارة القدم لقاء ثمن.
مدينة مترفة نجت في القرن التاسع عشر من طوفان التصنيع الذي مسخ ملامح كثير من المدن البريطانية، فبقيت واجهاتها كما هي، لتكون من أوائل المدن التي أعلنتها وزارة البيئة "منطقة ذات أهمية معمارية وتاريخية خاصة". هذا الحفظ الدقيق لجمال التراث جعلها أشبه بإستوديو سينمائي مفتوح؛ مرّت على أدراجه كاميرات أفلام شهيرة مثل "كبرياء وتحامل" (2005) التي حولت شوارعها إلى قرية إنجليزية تحاكي ذاك الزمان، و"شيفرة دافنشي" (2006) الذي استغل روعة قصر بورغلي هاوس القريب. كما احتضنت مسلسلات كلاسيكية عدة ، وصولًا إلى أعمال حديثة مثل "التاج" التي غيّرت ملامح شوارعها لتستعيد حقبًا غابرة، وكأن الزمن هنا متواطئ مع الحجر ليحفظ ملامحه، ويعيد إحياءه أمام العدسات، فلا يدع يدًا تعبث به إلا بما يزيده بريقًا وقيمة.
بعد الظهيرة، بدت الأزقة في عموم المدينة هادئة، كأن الزمن قد جمدها ليحمي قدسيتها وصمود حجارتها. دفع ذلك إلى المقارنة بين ضيقها الشديد واستثمارها هنا، وبين ضيقها الأقل في بغداد ومدن أخرى من العراق، حيث تُهمل مع مرور الزمن. هنا يُعتبر الضيق جزءًا من الهوية التاريخية والسياحية التي يُفتخر بها ويُستثمر فيها، وهناك يُعتبر اختناقًا وعبئًا لا بد من التخلص منه.
ومع ميل الشمس نحو المغيب، توقفنا عند بحيرة ساكنة على أطراف المدينة، حيث الماء يعكس وجه القمر الفضي، والطيور المائية تهمس للريح. ركنّا الكرفان بمحاذاة الماء، والليل يمد ذراعيه حول المكان كوشاح دافئ. كانت تجربة النوم في قلب الطبيعة أشبه بقراءة قصيدة هادئة الإيقاع: دفء البطانية، ورائحة الخشب الرطب، وصوت الماء وهو يعانق الشاطئ… لحظات جعلت التاريخ والحاضر يجلسان معًا على طاولة واحدة، يرويان حكاية مدينة تعرف أن تحفظ ما ورثته، لا أن تتركه يذوب في غبار النسيان.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي