ومضة ضوء:المهزلة المزدوجة لمصر مع إسرائيل- العداء الشعبي والصفقات المؤسسية.-

محمد سعد خير الله
2025 / 8 / 9

دائمًا ما كانت، وستظل، أعمال مسرح العبث هي الأداة الأعمق للتعبير عن آليات الأنظمة الشمولية والسلطوية في إحكام قبضتها على الشعوب وإدارتهم "كالقطعان"؛ تارة عبر سرديات التآمر، وتارة أخرى من خلال التجييش والحشد الموجَّه.

لقد برع كبار رواد هذا الاتجاه المسرحي " مثل يوجين يونسكو، وصمويل بيكيت، وهارولد بنتر " في تفكيك الخطاب الزائف وكشف عبثية الواقع السياسي والاجتماعي، حيث تتحول الحقيقة إلى ضباب، والسلطة إلى مسرحية عبثية مكتملة الأركان.

هذه الروح العبثية تكشف ببلاغة الازدواجية التي تسود الأنظمة السلطوية، حيث يُستخدم الخطاب العام المليء بالشعارات والمواقف الصاخبة لتغطية مصالح خفية، غالبًا ما تناقض شعارات الحق والعدالة والسلام. واليوم، نرى هذه الازدواجية تتجسد بوضوح في المشهد المصري، حيث تتصادم التصريحات العدائية علنًا مع الصفقات الاقتصادية الكبرى التي تُبرم خلف الأبواب المغلقة.

يكرر النظام السلطوي العسكري المصري المشهد ذاته؛ فبينما تسير المفاوضات في الغرف المغلقة لتوقيع صفقة غاز تاريخية مع إسرائيل، تتعالى في العلن خطابات مشبعة بالكراهية والتحريض.

شيخ الأزهر أحمد الطيب يحذر من غياب القضية الفلسطينية عن المناهج التعليمية في العالم الإسلامي، مما أثر سلبًا على وعي الأجيال بأهمية هذه القضية، في الوقت الذي يحرص فيه الطرف الآخر "قاصدًا إسرائيل" على تدريس روايته المزيفة في جميع المراحل التعليمية. وكلام شيخ الأزهر يعني عزمه، بما يملكه من صلاحيات في دول الإسلام السني على مستوى العالم، على تعميم النموذج المصري المعادي والكاره لدولة إسرائيل والمحرض عليها.

أسامة الأزهري، وزير الأوقاف والمرشد الروحي للرئيس السيسي، يقول: مصر السند الأول للقضية الفلسطينية حتى يوم القيامة، والحملات المسيئة لن تنال من موقفها. وبالطبع، لست في احتياج لشرح موقف القاهرة شديد التطرف الذي يؤكد عليه الأزهري، ولن ننسى مهاجمته لإسرائيل من آن لآخر.

أشرف زكي، نقيب المهن التمثيلية، يعلن شطب أي عضو يثبت تورطه في التطبيع مع "الكيان الصهيوني" (متجنبًا ذكر اسم إسرائيل، وكأن معاهدة السلام لا وجود لها)، وأضاف: هذا قرار صادر من اتحاد النقابات الفنية من أيام أستاذ سعد الدين وهبة، وليس فيه نقاش، أي أن العداء أبدي.

ترافقت تلك التصريحات مع الأيام الأخيرة للمفاوضات، وقبل الإعلان مباشرة عن صفقة الغاز التي وقعتها القاهرة مع تل أبيب بقيمة 35 مليار دولار، لتكشف أن المشهد العام لا يختلف كثيرًا عن أحد عروض مسرح العبث: ضجيج في الواجهة، ومصالح كبرى تُحسم خلف الستار.

وللتسجيل، كلامي ليس فيه أدنى نقد لدولة إسرائيل، بل ينصب على الحالة المصرية التي، وكأنهم يقولون فيها: المصالح وما يساعد على استمرار حكمنا لنا، أما لكم فالكراهية والعداء والتحريض. فالجانب الإسرائيلي دائمًا ما يقدّم يد العون لمصر وبصدق. وأتذكر الجزء الحقيقي من الحرب على الإرهاب في سيناء، التي أعقبت الخلاص من جماعة الإخوان الإرهابية، وعندما اشتدت المواجهة بين الجيش المصري والإرهابيين، كانت إسرائيل حاضرة بقوة، حيث قدّمت معلومات وإحداثيات دقيقة مكّنت القوات المصرية من حسم المعركة.

وعندما بدأت أزمة الطاقة في مصر تلوح في الأفق، ووصلت إلى حد انقطاع الكهرباء في بعض المحافظات لما يقارب 15 ساعة يوميًا خلال الأسابيع الماضية، كانت إسرائيل حاضرة مرة أخرى؛ إذ أُعلن بالأمس عن توقيع اتفاقية تاريخية لتصدير الغاز الطبيعي إلى مصر.

فقد وقّعت "شركة نيومد إنرجي"، أحد الشركاء في حقل ليفياثان الإسرائيلي للغاز الطبيعي، أكبر اتفاقية تصدير مع مصر بقيمة تصل إلى 35 مليار دولار. وبموجب الاتفاق، ستزوّد إسرائيل مصر بـ130 مليار متر مكعب من الغاز حتى عام 2040، أو حتى استيفاء جميع الكميات المتعاقد عليها.

إلى النظام المصري: أليس من الأجدر وقف ما تمّت مأسسته على المستوى المجتمعي من خطاب الكراهية والتحريض والعداء المسموم ضد دولة إسرائيل؟ ذلك الخطاب الذي يسعى شيخ الأزهر لتعميمه في كل الدول الإسلامية.

أتذكر الآن الرئيس الراحل أنور السادات، الذي وقّع اتفاقية السلام من الجانب المصري، وأقول لنفسي: تُرى، كيف كانت ستكون مكانة مصر اليوم لو أنها مضت قُدمًا فيما كان يخطط له السادات من تعاون شامل مع الجانب الإسرائيلي وتطبيع شعبي بين المجتمعين بكل ما تحمله الكلمة من معنى؟

إن أخطر ما يتم الآن من قبل القاهرة هو جعل السلام الشعبي مستقبلًا بين المجتمع المصري والإسرائيلي في حكم المستحيل، وهو ما يجب أن يتوقف فورًا.

ليت قومي يعلمون أن السلام الحقيقي والتطبيع الشعبي مع إسرائيل هو الحل.

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر