|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
قحطان الفرج الله
2025 / 8 / 7
أصدر المجلس الثقافي البريطاني في بغداد، التابع للسفارة البريطانية، كتيبًا بحثيًا بعنوان “كريتف عراق – Creative Iraq”، يتناول ملامح الاقتصاد الإبداعي العراقي، ويطرح رؤية أولية لتأطير هذا القطاع الواعد. وقد وصلتني نسخة من هذا المنشور بمحض الصدفة أثناء زيارتي للصديق المصوّر الفوتوغرافي ماهر يوسف، فوجدت فيه جهدًا يستحق التقدير من حيث المبدأ، كونه يسلّط الضوء على زاوية مهمّشة من الاقتصاد العراقي، تتعلق بالإنتاج الثقافي والفني والإبداعي وما له من دور في التنمية، المنشور يتناول تنوع الصناعات الإبداعية وتوزعها الجغرافي، ويحاول تحليل البيئة الداخلية للاقتصاد الثقافي من خلال أدوات بحثية مثل إدارة المخاطر، ويقدّم خريطة أولية لمكوناته، ما يشكل خطوة أولى في مجال ظل لوقت طويل بعيدًا عن الرؤية المؤسساتية.
غير أن النظرة المتأملة لهذا العمل تكشف عن صورة مختزلة ومبتسرة لا تفي بتعقيد الواقع الثقافي العراقي، إذ غابت التفرقة الأساسية بين الدور الحكومي في تحريك النشاط الثقافي من جهة، وبين الحراك المتصاعد والمتنوع الذي يشكّله القطاع الخاص والمبادرات المستقلة من جهة أخرى، وهو ما شهد نموًا ملحوظًا في السنوات العشر الأخيرة.
كما اقتصر الكراس على محافظات محددة (بغداد، الموصل، أربيل، البصرة، السليمانية، كربلاء، دهوك)، متجاهلًا محافظات ذات ثقل ثقافي ومعرفي مثل بابل والنجف والناصرية، رغم ورود إشارات في نهايته لأهمية معلم مثل زقورة أور، في مفارقة تُضعف اتساق الرؤية الجغرافية للمنشور.
الأغرب من ذلك هو ما ورد في تصنيف المخاطر، حيث صنّفت الكتابة والأدب كأنشطة عالية المخاطر، في وقت باتت فيه منصات التأليف والنشر ووسائل التعبير مفتوحة للجميع، فيما جاءت السياسة كمجال منخفض المخاطر! وهذا يناقض كل ما يعرف عن حساسية الواقع السياسي في العراق والمنطقة عمومًا، ثم تأتي القشة التي تقصم الوعي الثقافي في هذا العمل، حين وضعت الدراسة في مقدمتها – التي تقول إنها استغرقت عامًا كاملاً واعتمدت على مقابلات مع 600 شخصية ومع ذلك فهي تخط – مقولة في البنط العريض تزعم أن: “الشعر وُلد في العراق، وعاش في سوريا، ومات في مصر”!
بغض النظر عن النوايا الأدبية وراء هذه العبارة، إلا أن إدراجها بهذا الشكل يكشف سذاجة ثقافية فادحة، فالشعر لم يمت في مصر، فكيف مات ومن قتله !!!!ولا في غيرها، بل هو حيّ في وجدان الشعوب، وفي مصر آلاف الشعراء يرفع لواء شاعريتهم شوقي وحافظ إبراهيم إلى الأصوات الجديدة، كما أن الشعر ليس كائنًا فرديًا يتنقّل ثم يُدفن في جغرافيا ما، بل هو ميراث جمعي متجدد لا يموت.
يمثل كتيب “كريتف عراق” محاولة طموحة لرسم معالم الاقتصاد الإبداعي في العراق، لكنه – في صورته الحالية – لا يرتقي إلى مستوى الشمول والعمق المطلوبين، ويكتفي بمسحٍ سطحي للمشهد دون إدراك جدلياته وتشابكاته. ورغم الادعاء بالاعتماد على مصادر ومقابلات واسعة، فإن المخرجات جاءت مليئة بالثغرات التحليلية والتعميمات الخطرة، فضلًا عن تغافل واضح لمحافظات ومكونات ثقافية فاعلة.
أتمنى أن تلتفت الجهات الثقافية العراقية الرسمية والمستقلة، وعلى رأسها وزارة الثقافة، مؤسسات البحث الأكاديمي، والنقابات الثقافية والمبدعين المستقلين، لرصد هذه المبادرات الأجنبية وتحليلها بوعي، والمشاركة النشطة في إنتاج دراسات أكثر عمقًا وشمولًا، تنبع من الداخل العراقي وتعبّر عن تنوعه الحقيقي. إن الاقتصاد الثقافي ليس ترفًا فكريًا، بل رافعة تنموية حقيقية في عصر الصناعة الإبداعية. وأي محاولة لرسم ملامحه ينبغي أن تكون أكثر اتساعًا في الرؤية، وتنوعًا في المصادر، وإنصافًا في التمثيل…