المثقف في مراة السؤال السقراطي

احمد عناد
2025 / 8 / 6

بين جلد الذات وواجب النقد: المثقف في مرآة السؤال السقراطي
الجزء الثاني

في النقاشات العامة، ما إن يرتفع صوت المثقف ناقدًا السلطة أو مفككًا البنية الاجتماعية، حتى يتهمه البعض بممارسة “جلد الذات”. تتكرر العبارة حتى صارت تُستدعى كدرعٍ نفسيّ كلما بدا النقد صريحًا، أو كلما تجرّأ المثقف على القول بأن الخلل لا يكمُن في الحاكم وحده، بل في القابلية للاستبداد، في الوعي الجمعي، وفي تكرار العادات التي تُعيد إنتاج المأزق ذاته.

لكن: ما وظيفة المثقف أصلاً؟
هل عليه أن يُقدّم حلولًا عملية؟ أم أن مهمته هي التشخيص ووصف الواقع وتحليل جذوره؟ وهل يُعدّ نقد المجتمع جريمة، بينما نقد السلطة بطولة؟ أم أن الحقيقة لا تُجزَّأ، ولا تتحقق إلا بمساءلة الاثنين معًا؟
المثقف كضمير… لا كمهندس

منذ البدايات الأولى للفكر الإنساني، كان المثقف هو “صاحب السؤال”. سقراط، الذي اعتُبر أب الفلسفة الغربية، لم يكتب كتابًا واحدًا، ولم يقدّم “حلولًا” بالمعنى التقليدي. كان يثير الأسئلة ويقلب البداهات، ويجعل محاوريه يكتشفون جهلهم، فيغضبون. لم يكن يقترح “خطة إصلاح” لأثينا، لكنه حرّك جذور العقل الأثيني ففتح أفقًا جديدًا للوعي.

هنا تكمن المفارقة: المثقف ليس سياسيًا تنفيذيًا ولا مهندسَ برامج. إنّه كاشف العطب، واضع الأصبع على الجرح، محرّك القلق النبيل الذي يولّد البحث عن بدائل. وظيفته أن يشخّص، أن يحذّر، أن يكشف البنى المستترة خلف الظواهر. وهو إذ يفعل ذلك، يقوم بما يمكن تسميته – بلا مبالغة – “دينًا وطنيًا” عليه: واجب الحقيقة.
“جلد الذات” أم فضيلة الاعتراف؟

ما يُسمّى “جلد الذات” غالبًا ما يُستخدم لتكميم الأفواه. يُراد به أن يبقى النقد موجَّهًا للسلطة فقط، لا للمجتمع، ولا للوعي السائد. لكن الحقيقة أن الاعتراف بالخلل الذاتي فضيلة كبرى، لأنه يفتح الباب لمحاسبة النفس قبل محاسبة الآخر.
في المقابل، هناك شكل مَرَضي من جلد الذات: حين يتحوّل النقد إلى إدانة مطلقة تُنكر أي إمكانية للنهوض، فتشيع اليأس وتُنتج قناعة عمياء بأننا “غير قابلين للإصلاح”. هنا يفقد النقد روحه الإصلاحية ويتحوّل إلى عبء.
التحدي إذن: أن نُمارس نقدًا صادقًا بلا تبرير، لكن دون أن نسقط في الإحباط الشامل أو نخسر الأمل بالتحوّل.
مسؤولية المثقف أمام السلطة وأمام المجتمع
• أمام السلطة: المثقف هو شاهد الحقائق، الذي يرفض أن يتحول إلى بوق أو مروّج للأكاذيب. صمته خيانة للمعرفة التي يحملها.
• أمام المجتمع: المثقف ليس وصيًا على الناس، لكنه مسؤول عن إيقاظ الوعي الكامن فيهم. أن يفتح أسئلة تُقلقهم بدل أن يوزع شعارات تُخدّرهم.
لهذا، فإن مطالبة المثقف دائمًا بـ”الحلول الجاهزة” تُفرغه من جوهره؛ فالحلول تُصاغ عبر وعي جمعي وحوار مجتمعي واسع، بينما دور المثقف هو إشعال الشرارة التي تُحرّك هذا الحوار.
المثقف بين سيفين: السلطة والجمهور

تاريخيًا، المثقف ملاحَق من جهتين:
• السلطة تخشاه لأنه يفضح بنيتها العارية.
• والجمهور يهاجمه حين يعكس لهم عيوبهم في المرآة.

هكذا انتهى سقراط إلى السم، ودفع الحلاج حياته على المشنقة، واضطهد غاليليو حتى تراجع عن قوله بدوران الأرض. المثقف، في كل زمان، محكوم بهذا المصير: أن يُدفع ثمن سؤاله الحر.

لماذا النقد ضرورة وجودية؟
المجتمعات التي تخشى النقد تظل أسيرة لأخطائها. النقد هو أولى درجات التحرر، لأنه يعرّي ما هو مستتر ويمنح اللغة لما هو مسكوت عنه. وكما قال نيتشه: “ما يُسمّى بالحقائق ليست سوى أوهام نسينا أنها أوهام”، والمثقف هو من يذكّرنا بذلك النسيان.

النقد إذن ليس ترفًا، ولا مجرد رأي؛ هو شهادة أخلاقية وشرط للنهضة. أن نرى القبح كي نبحث عن الجمال، أن نسمّي الأخطاء كي نستطيع تجاوزها.

الخاتمة: السؤال الذي لا يموت
المثقف الحقيقي لا يملك رفاهية الصمت، ولا يملك وهم الإجابة النهائية. إنّه يعيش بين السؤال والقلق، بين الحب والواجب، بين الانتماء والنقد. فإذا صمت خان الحقيقة، وإذا بالغ في جلد الذات خان الأمل.
ربما لهذا بقي سقراط خالدًا: لأنه طرح أسئلة جعلتنا نفكّر في أنفسنا قبل أن نفكّر في العالم. وهذا هو جوهر وظيفة المثقف: أن يُعيدنا إلى السؤال الأول… أن نعرف أنفسنا