|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

الهيموت عبدالسلام
2025 / 8 / 5
لم تكن الهندية مجرد فاكهة موسمية في القرى والجبال المغربية، بل كانت رمزاً لكرامة الأرض البسيطة، تنبت بلا سماد ولا سقي، وتمنح ثمارها بلا مقابل، فتُطفئ جوع العابرين وظمأ الفقراء،كانت شجرة الهندية تقف شامخة على جنبات الطرق، وفي حواشي الحقول، تنبت في الأرض القاحلة كعلامة على الكرم الطبيعي والمجانية، لم تكن تحتاج إلى رعاية، ولا إلى أسمدة أو ماء، ومع ذلك كانت تبذل ثمارها بلا منّة، وتُطعم الجائع، وتُنعش العطشان، وتُنعش حياة المغربي البدوي البسيطـ . فاكهة الهندية تنبت في الوعر وتتشبث بالحياة دون ضجيح ، تشبه ساكنة الجبال والبوادي والأرياف في صبرها الصامت وقدرتها العجيبة على البقاء رغم قسوة الأرض ونذرة الماء، تشبه سكان الجبال والبوادي في عزلتها النبيلة ، لاتطلب شيئا، و لا تشتكي لأحد ، لكنها تعطي بسخاء كل من اقترب منها ، تشبههم في تواضعها الطبيعي وتخفي كنوزها بين الشوك كما يخفي سكان البوادي والجبال كرامتهم الأصيلة خلف وجوه حزينة وملامح شمسية ، يشبهونها في بساطتهم المعجونة بالكرامة ، لا تتزين و لاتتصنع ،لكنها تترك أثرا حلوا في الروح قبل البطن ، تشبههم في عنادها الجميل ، لا تحتاج إلى حرث و لا إلى كثير من العناية بل تكفيها شقوق الأرض وبعض الضوء لتثمر وتمنح دون مقابل.
كانت الهندية علامة من العلامات الكبرى لعلاقة الإنسان بالأرض ، وعلى إمكانية الحياة بكرامة خارج منطق السوق والربح ، ولذلك خٌطفت من البسطاء لتظهر على رفوف المتاجر الكبرى مغلفة بثمن باهظ لا يقدر على شراءها من كانوا يعيشون منها وتٌعيد إلى أجسادهم المتعبة روحا من صبر الأرض وملحها.
اختفاء شجرة الهندية كارثة فلاحية وطنية كبيرة ، 120 ألف هكتار انقرضت وكانت تنتشر في سوس ماسة : شتوكة وتيزنيت وتارودانت التي كانت تعرف إنتاجا وافرا وتعاونيات نسائية ، توجد كذلك في مراكش آسفي : الرحامنة وقلعة السراغنة وشيشاوة غذاء يومي وتاع بكثرة في الأسواق ، في الدار البيضاء سطات : سيدي بنور ،برشيد وسطات ، تنتشر على أطراف القرى إنتاج وفير ،تدر دخلا للفلاحين الصغار موسما كاملا ، بني ملال خنيفرة : خنيفرة، الفقيه بن صالح ،أزيلال حيث يستهلكها سكان الجبال بشكل كبير ولها أسواق طيلة الموسم، درعة تافيلالت : زاكورة ، تنغير والراشيدية ، في منطقة قاحلة وشبح صحراوية ، الهندية مورد رزق تعتبر الشجرة المثالية لمقاومة وفاكهة الحياة في الصحراء ،الريف والشرق : تاونات ، الحسيمة ،تاوريرت ، جرسيف رغم ضيق المساحة كانت فاكهة شعبية موسمية وتتربع على موائد الفقراء طيلة الموسم ، فاس مكناس زرهون : تنبت تلقائيا ، تباع في الأسواق والطرقات ، تؤكل أثناء وبين الوجبات ويتنذر السكان بها،
تتحدث التقديرات عن الخسارة الزراعية لهذه الفاكهة تقدر ب 2,4 مليار درهم كحد أدنى سنويا و 4,8 مليار درهم كحد أقصى سنويا لهذه المناطق ،عشرات آلاف الفلاحين الصغار فقدوا مصدرا لدخلهم السنوي ،أٌغلقلت العديد من تعاونيات إنتاج الزيت والمربى ومستحضرات التجميل التي كانت تعتمد على ثمار هذه الفاكهة وخاصة وسط النساء القرويات ، خسائر في سلاسل التوزيع المحلي لدى الباعة المتجولين والفلاحين الصغار، فازدادت الأسعار في السوق الشعبية من 0،5 درهم ووصلت حتى مابين 5 و7 دراهم حسب المنطقة وفي بعض المناطق الراقية وصلت إلى عشرة دراهم مما قلص الطلب الشعبي وفقدان مصدر دخل يومي لبعض الفئات الشعبية ، باختصار تقدر الخسائر الإجمالية لأكثر من 3 إلى 5 مليار درهم سنويا وقد تتجاوز 6-7 مليار درهم إذا أضيفت إليها خسائر القيمة المضافة المفتقدة والدخل الضائع للفئات الشعبية .
لم تكن الحشرة القرمزية سوى القناع البيولوجي لكارثة اجتماعية واقتصادية ، وسرعان ما ظهرت ضيعات الهندية الهجينة ، ففي منطقة آيت باعمران عاصمة الهندية في المغرب والتي زٌرعت فيها أكثر من 45 ألف هكتار وسيتم توسيع المساحة إلى 120 ألف هكتار في أفق سنة 2030 ، الغريب في الأمر أن 120 ألف هكتار المساحة المنقرضة بالكامل هي المساحة التي زرعت وستزرع بالهندية الهجينة والمقاومة للحشرة القرمزية في أفق سنة 2030 .
الهندية التي كانت تٌعطى ولا تشترى، وتقطف ثمارها من حواف الطرقات وأهداب الحبال بلا إذن ولا ترخيص ،والهندية التي كان الفلاح الفقير يطعمها لأبنائه من شوك الحقول وكانت المرأة القروية تحفظ برودة يومها بثمرات صبورة مثلها، وكان البائع المتجول يصنع من الهندية عتاد كرامته الموسمية بعربة خشبية وسكين حاد، والهندية التي كانت غداء وكرامة والتي كانت تنبت من شقوق الصخر وفي خاصرات الجبل قد أصبحت فاكهة هجينة ومنتوجا معلبا ،ناعمة الشكل، خاضعة لمعايير السوق والبورصة والتغليف المفرط .
لقد كانت الهندية بشوكها الوريفي آخر موائد الأرض التي لم تخضع لقانون البازار، اليوم تغيب هذه الثمرة البسيطة كما تغيب الأنفاس عن رئة مدينة مخنوقة بالدخان التجاري، قد صار كل شيء يوزن بالذهب، في ظل الرأسمالية المتوحشة التي لا تعرف إلا لغة الأرقام حولت القيم إلى أسعار والعواطف إلى عقود والطبيعة إلى مخزون استراتيجي لا يمكن لثمرة فيه أن تبقى حرة فلكل حبة ونبتة وفاكهة مالك وسعر، هكذا تحيا الرأسملية المتوحشة تقتل كل جميل ثم تبيعنا دموعنا عليه ، اليوم صارت مجرد رقم في سجلات شركة تصدر التجربة العضوية إلى أولئك الذين يدعون أنهم يعرفونها ، لقد سرقوا حلوها ،وباعوا ذكراها واستبدلوا كرمها ببطاقة ائتمان.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |