|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

سليم نصر الرقعي
2025 / 8 / 4
بالرغم من كل المزايا والحقوق السياسية والاقتصادية والقدر الجيد من العدالة الاجتماعية والقضائية التي يتمتع بها الأفراد، كبشر وكمواطنين، في الدول الديمقراطية الليبرالية، خصوصًا في أوروبا الغربية، فإن الدولة الديمقراطية فيما يخص الشأن الخارجي وساحة اللعبة الدولية قد تمارس الظلم والوحشية والاستعمار !!.... هذا شيء ثابت في التاريخ البعيد (حقبة الاستعمار) والقريب (احتلال العراق وأفغانستان)!... إسرائيل دولة ديمقراطية لا شك في ذلك لكنها دولة ديمقراطية غير ليبرالية، فالليبرالية تقوم على احترام حقوق وكرامة الإنسان والأقليات، فهي دولة استيطانية لليهود أينما وجُدوا، قامت على استجلاب اليهود من كل أنحاء الأرض ليحلوا محل السكان الأصليين، كما هي (دولة الدواعش) الاستيطانية التي قامت على أساس ديني و(أسطوري) وهي دولة للمسلمين أينما وجدوا !!، تستجلبهم ليسكنوا في دولة (إسلاماوية استيطانية أصولية شمولية ديكتاتورية) مقامة على جزء من أرض السوريين والعراقيين، وهي دولة للمسلمين فقط، لأنها قامت على أساس ديني (أسطوري) وليس دولة لكل المواطنين بلا تمييز!، وهكذا حال دولة الاستيطان اليهودي الصهيوني على أرض فلسطين! دولة فصل عنصري، دولة استيطانية مُقامة بالقوة وطريق الخداع على أرض الغير(الشعب الفلسطيني)، دولة تمارس الوحشية ضد المدنيين في غزة والضفة!! ومع ذلك لا يمكن إنكار أنها دولة ديمقراطية بالفعل فيما يخص التداول على السلطة والعملية السياسية وإدارة الشأن الداخلي السياسي بين الفرقاء السياسيين المتنافسين على الحكم، ومع ذلك ففي المحصلة، وكما فضحتها أمام العالم حرب غزة، فهي دولة ديمقراطية بالفعل لكنها دولة ظالمة شريرة ذات وجه قبيح تمارس الإبادة ضد الفلسطينيين!
إن الديمقراطية هي ((نظام سياسي داخلي محلي)) يتعلق بالشأن الداخلي وحقوق الشعب والمواطنين وبطريقة إدارة وتداول السلطة داخل البلد (من يحكم؟ وكيف؟) وفق رغبة أغلبية (الناخبين) - وليس بالضرورة أغلبية الشعب! - وكذلك طريقة تعامل الدولة مع مواطنيها – بما فيهم معارضوها الأشداء - بشكل دستوري يحترم إنسانيتهم وحقوق مواطنتهم، وأيضًا يحكم ويضبط طريقة تعاملها مع من يعارضونها وينتقدونها بشدة ويتهمونها، ليل نهار في وسائل الإعلام، بالفساد أو إساءة استعمال السلطة أو تبديد أموال الناخبين على مغامراتهم في الخارج!!.. فالدولة الديمقراطية الليبرالية، والتي على رأسها الحكومة المنتخبة، محكومة بالدستور والقوانين والأخلاق والآداب والأعراف السياسية في التعامل مع خصومها وليس كما هو الحال في الأنظمة الديكتاتورية الشمولية، نظام العقيد القذافي مثالًا، تحرّم وتجرّم المعارضة وتبطش بكل من يعارض أو ينتقد رأس الدولة في الداخل والخارج!.. لا الديمقراطية ليست هكذا فهي تحترم حقوق وحريات وأملاك المواطنين ولا تعتدي عليها، فهذا هو الوجه الإنساني الجميل للديمقراطية والليبرالية كنقيض للديكتاتورية والشمولية!
فالديمقراطية،إذن، هي الجزء الأساسي المنظم والضابط لعملية إدارة الشأن الداخلي (المحلي) المحكوم بالدستور وحقوق الإنسان المواطن ورقابة البرلمان والصحافة الحرة، وليست جزءًا أساسيًا في الحقيقة من إدارة الشأن الخارجي (الدولي) المحكوم بالمصالح والثوابت الإستراتيجية القومية والأمن القومي للدولة وطريقة إدارتها للصراع الدولي مع منافسيها وخصومها الدوليين حيث البقاء للأقوى والأغنى والأمكر والأكثر ذكاءً ودهاءً!!!
هذه هي المفارقة في سلوك الدولة الليبرالية الديمقراطية بين الداخل والخارج، ففي الساحة الدولية ليست هناك ديمقراطية بل ((صراع دولي)) بين الأقوياء والكبار المتنافسين على تقاسم مناطق الثروات ومناطق النفوذ في العالم إلى درجة يمكن القول أن اللعبة الدولية محكومة بالمثل العربي الذي يقول ((إن لم تكن ذئبًا أكلتك الذئاب))!! تارة تكون ذئبًا يرتدي مسوح الإنسان الخلوق الطيب الذي يدافع في خطابه الرسمي عن حقوق الإنسان وحقوق الشعوب!، وتارة تكشر عن أنيابك وتشهر مخالبك في وضح النهار وتبطش بالخصوم والمنافسين!
مثلًا بريطانيا وفرنسا وايطاليا عندما استعمرت عدة دول عربية وغير عربية (الهند مثلًا) ومارست فيها القمع والظلم والوحشية كانت دولًا ليبرالية وديمقراطية داخليًا ومحليًا لكنها خارجيًا وفي ساحة الصراع الدولي تحولت إلى دول استعمارية تغزو بلدانًا أخرى من أجل الثروة أو مد النفوذ، كما لو أنها وحوش ضارية كاسرة وسط الغابة!!، فعندما تجد هذه الدول الديمقراطية أن مصالحها القومية مهددة تتحول إلى وحوش كاسرة ولا تتورع حتى عن ممارسة الوحشية وابتلاع الدول والشعوب الضعيفة ونهب ثرواتها كما فعلت فرنسا في (الجزائر) وكما فعلت ايطاليا في برقة وطرابلس الغرب عام 1911 (ليبيا لاحقًا!)!
هذه هي المفارقة الغريبة والمؤلمة بين جمال وسلمية وإنسانية وليبرالية الدول الديمقراطية في الداخل وبين قبحها في الخارج وعنفها وديكتاتوريتها وجبروتها ضد الآخرين في بعض الحالات والأوقات! عن الوجه الآخر و(القبيح) للدول الديمقراطية الليبرالية في الساحة الدولية أتحدث، ولكن من أجل الإنصاف، ولعرض الوجه الآخر للحقيقة، فيجب الاعتراف أننا نحن المسلمين - سواء في العهد العربي أو العهد التركي - عندما أصبحنا دولة وإمبراطورية عظمى أخذنا نغزو البلدان الأخرى ونحتلها ونمتلك أراضيها ونأخذ ثرواتها بل ونأخذ حتى نسائهم وأطفالهم سبايا وعبيدًا لنا !!... هذه حقيقة أخرى يجب أن لا نقفز فوقها!.. لكنها حقيقة تؤكد لنا أن منطق التاريخ ومنطق الوضع الدولي لا يقوم على الديمقراطية بل على القوة ومد النفوذ وتوسيع رقعة وثروة الدولة بالطرق الناعمة وكذلك بالطرق الخشنة إذا لزم الأمر!!
********
أخوكم المحب
2023
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
1 - رائع |
العدد: 885661 |
| ناصر |
2025 / 8 / 4 - 19:15 |
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |
|