المدرستان الرحبانيتان .. تضاد أم تواصل؟

عبدالله عطية شناوة
2025 / 8 / 4

ثمة كتابات متهورة، وربما مقصودة، لهدم الأرث الرحباني بمعول رحباني، أسمه زياد. ونجزم أن زياد لو كان بيننا الآن وفي صحته لرد عليها ودحضها.
تشوه هذه الكتابات المدرسة الرحبانية الأولى وتصورها كخادم لما تسميه بالمشروع البرجوازي، وتزعم ان المدرسة الرحبانية الثانية التي بناها زياد جاءت ضدها، دحضتها وقوضتها.
لا ينكر أي باحث فكري جمالي حقيقة تبلور مدرستان رحبانيتان، تتباينان عن بعضهما تباينا يبدو للنظرة المتعجلة السطحية، تاما ومبرما، لكنه في حقيقة الأمر ليس كذلك.
نقطة الضعف القاتلة في الكتابات التي تستهدف نسف المدرسة الرحبانية الأولى انها تغفل عامل الزمان، وما يرتبط به من تغيرات أجتماعية بنيوية، بما في ذلك مستوى الصراعات الأجتماعية والطبقية من حيث الحدة والاتساع، وما تتركه من تاثير على العلاقات المتبادلة بين فئات وشرائح وطبقات المجتمع. وتأثر تلك العلاقات بالتطورات الإقليمية والدولية، وانعكاس كل ذلك على الحركة الفنية وإبداعات مبدعيها.

نعم المدرسة الرحبانية الأولى- مدرسة الأخوين رحباني - قامت على الرومانسية، والرومانسية في حد ذاتها ليست عيبا، فمقابل الرومانسية البرجوازية قامت الرومانسية الإشتراكية، و إذا ما تخلينا عن التطرف الإيديولوجي الذي لا يتعامل مع تدرجات الألوان ولا يرى فيها سوى الأسود والإبيض، فيمكننا القول بكل ثقة ان هناك بين الرومانسيتين البرجوازية والإشتراكية، رومانسية إنسانية، لا تغرق في الذاتية والترف ولا تهمل قهر الأنسان واستغلاله وسلب كرامته، والى هذه الرومانسية تنتمي المدرسة الرحبانية الأولى، مدرسة الأخوين رحباني، والتي تغطي زمنيا سنوات خمسينات وستينات وأواسط سبعينات القرن الماضي، وكان لبنان يشهد فيها استقرارا سياسيا ومستوى غير متفجر من الصراعات السياسية والأجتماعية، وينظر اليه كسويسرا العرب. وانفرد عن غيره من بلدان المحيط بقدر من الديمقراطية السياسية، ضمنت مستوى من الحريات لا نظير له في بلدان المحيط، أمر وفر حتى للحزب الشيوعي اللبناني أمكانية العمل العلني المجاز قانوناً. وكانت بيروت ملجأ ناشطي كل حركات المعارضة في مختلف البل دان العربية.

هذا لا ينفي بالطبع ان النظام السياسي اللبناني، كان وما يزال نظام عائلات إقطاع سياسي، ولكن الصراعات الاجتماعية - الطبقية، لم تصل خلال تلك الفترة إلى التفجر، إلى مستوى يسمح بالقول ان رومانسية المدرسة الرحبانية الأولى قد ساهمت في إخمادها خدمة للبرجوازية.
ربما على العكس من ذلك قد يكون نتاج الأخوين رحباني يشكل مساهمة قيمة في خلق حس ووعي جمالي مضاد لقبح الواقع، بما يؤدي إلى رفضه، وقد رفضه زياد الرحباني، في ظروف اشتدّت فيها الصراعات الأجتماعية - السياسية في لبنان خلال سنوات الحرب الأهلية الدموية التي امتدّت إلى تسعينات القرن الماضي وتداخل فيها المحلي بالإقليمي بالأممي، الحرب الدموية التي ولدت مع ولادة زياد الفنية فرضت عليه تأسيس مدرسة رحبانية جديدة تضاءلت فيها الرومانسية مقارنة بمدرسة أبيه وعمه، لكنها أبدا لم تغب، وإلا أين نضع إبداعات له مثل نشيد حبه "لبيروت" ، وكذلك إبداعه في "وحدن" و "أنا عندي حنين"، أن لم نضعها في إطار الرومانسية، وننظر اليها كامتداد مخلص للمدرسة الرحبانية الأولى؟
لا قطيعة كما يزعم المتهورون بين المدرستين الرحبانيتين، والثانية امتداد للأولى متفاعل مع تطورات الواقع واستحقاقاته.

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن