على تخوم الانهيار هل يعيد العراق ماساة السودان

احمد عناد
2025 / 8 / 2

على تخوم الانهيار: هل يعيد العراق مأساة السودان؟

في مسرح التاريخ، لا تنهار الدول فجأة، بل تتهاوى بصمت، عبر شقوق صغيرة تتسع مع الوقت، حتى يصير الانفجار حتميًا. السودان اليوم شاهد حيّ على ذلك: وطن تمزّق بين جيش رسمي وقوة موازية، بين هويات متنازعة وولاءات متناحرة، حتى صارت الدولة ساحة حرب لا وطنًا.
وما يبدو بعيدًا للوهلة الأولى، يلوح الآن في الأفق العراقي: ذات الانقسامات، ذات الولاءات الخارجية، ذات صراع الكتل، ذات الانزلاق نحو هاوية الفوضى.
1. حين تصبح الهوية ساحة حرب
المعضلة الأخطر ليست في الفساد ولا في فشل الإدارة فحسب، بل في صراع الهويات الذي يمزّق المجتمع.
في العراق، كما في السودان، صارت الهوية الوطنية هشّة أمام اندفاعات الهويات الطائفية والعرقية والمناطقية. تُرفع رايات المظلومية والمصالح الفئوية، فيما يبهت العلم الوطني وتخفت لغة المواطنة.
وحين تتصدع الهوية الجامعة، يتحول كل اختلاف سياسي إلى نزاع وجودي، وكل تنافس انتخابي إلى حرب مصيرية.
2. تسريبات تفضح هشاشة الداخل
كثافة التسريبات السياسية والأمنية والاقتصادية في العراق ليست مجرد فضائح إعلامية، بل مرآة لانعدام الثقة بين أجنحة السلطة، ولتآكل مؤسسات الدولة من الداخل.
حين تصبح أسرار الأمن القومي مادة للنقاش الشعبي، فهذا يعني أن الجدار الذي يفصل الدولة عن الفوضى بدأ يتآكل بالفعل.
3. ولاءات خارج الحدود
كما كان السودان ساحة تنافس إقليمي ودولي، تحولت الجغرافيا العراقية اليوم إلى لوحة شطرنج لقوى متصارعة:
شرق وغرب، شمال وجنوب، كل قوة تبحث عن موطئ قدم عبر حزب أو ميليشيا أو زعيم.
القرار العراقي موزع على أكثر من عاصمة، والمصالح الوطنية تذوب وسط صراعات الوكلاء.
4. الاقتصاد بين النفط والفساد
إذا كان الذهب وقود الحرب في السودان، فالنفط في العراق ليس أقل خطورة: ثروة هائلة تتحول إلى مصدر صراع، لا إلى مشروع نهضة.
الفساد البنيوي جعل الوزارات والمشاريع غنائم تتقاسمها الكتل، فيما يبقى المواطن بلا خدمات ولا أمل.
وحين يصبح الاقتصاد رهينة للفساد والتبعية، يغدو الانهيار مسألة وقت، لا احتمالًا بعيدًا.
5. الانتخابات… مرآة الأزمة لا حلها
الانتخابات التي يُفترض أن تكون أداة إصلاح، تحولت إلى حلبة تحشيد هوياتي ودعاية سوداء.
لا برامج تنموية، لا مشاريع وطنية، بل وعود متكررة وحملات تخوين وتخويف.
إنها انتخابات بلا روح؛ إعادة تدوير للأزمة بدل تجاوزها.
6. دروس السودان: تحذير قبل فوات الأوان
لم يسقط السودان في ليلة واحدة. بدأ الأمر بانقسامات اجتماعية، ثم تجاذبات سياسية، ثم عسكرة للصراع حتى صار حربًا أهلية مفتوحة.
العراق اليوم يقف عند المفترق نفسه:
• تعدد القوى المسلحة وفقدان الدولة لاحتكار السلاح.
• تفكك الهوية الوطنية أمام الولاءات الفرعية.
• اعتماد الاقتصاد على مورد واحد بلا إصلاحات حقيقية.
• تصاعد الفساد وتسريب الملفات الحساسة إلى الرأي العام.
• صراع كتل يستهلك كل طاقة النظام السياسي دون مشروع جامع.
الفرق الوحيد أن العراق ما زال يملك نافذة ضيقة للنجاة: إرادة النخبة الواعية وقدرتها على تحويل الخوف من المآل السوداني إلى دافع لتوحيد الصف وبناء مشروع وطني حقيقي.
الأسئلة الحاسمة
• هل يدرك العراقيون – شعبًا ونخبة – أن صراع الهويات هو بوابة الانهيار؟
• هل يمكن أن تعلو لغة المواطنة على خطابات الولاءات والتبعية؟
• أم أننا سنكتفي بمشاهدة مشهد السودان يتكرر هنا، مع اختلاف الأسماء والرايات فقط؟
في النهاية، التاريخ لا يعيد نفسه، لكنه يكتب تحذيراته بدماء الآخرين. والسودان كتب لنا تحذيره مؤخرًا؛ فهل نقرأه قبل أن نفقد القدرة على القراءة؟