فيروز.. ورحيل زياد

بلقيس خالد
2025 / 7 / 31

فيروز والحزن الجنوبي...
في بصرة النخيل والماء، فتحتُ عينيّ على مشهد لا يغادر الذاكرة، ولا تمحى تفاصيلهُ: حزن النساء الجنوبيات
حين يحلُ الفقد، تتحول المرأة الجنوبية إلى سِفر مفتوحٍ من الألم. تعبّرُ عن حزنها بطقوس لا أعرف من أي كتاب مصدرها، بدءا، تشق ثوبها، وتهّيلُ على رأسها ووجهها التراب والطين، كما لو أنها تود أن تعود إلى أصلها، أو تتشابه مع الميت في ترابه، أو ربما لتخفي ملامح الجمال التي باتت عبئا في حضرة المصاب الجلل.
ثم يأتي اللطم، بأصوات تدوّي، وضربات تظهرُ الكدمات على الجسد، وتخلف الخدوش على الخدود. تستمر النساء في اللطمِ والنحيب مدة من الزمن، وتشاركهن في هذا العزاء والمواساة نساء العشيرة والجارات والصديقات.
ولا يقتصر الحزن على لحظة المصاب، بل يتمدد في الزمن.. إذ تبقى النساء متشحات بالسواد، ويصبح التزين محرما، وإزالة الشعر من الجسد أو الحواجب أو الوجه تعد خروجا عن مقتضى الحزنِ. حتى العطر يصبح من المحظورات. لا يخلعن السواد إلا بعد مرور أعوام لا تقل عن السنتين أو الثلاث. أما إذا كان الميت هو الزوج أو الابن، فإن المرأة تبقى مرتدية السواد مدى الحياة.
اتذكر تلك اللحظة التي فقدتُ فيها أخي الأكبر في الحرب، وأنا صبية في السادسة عشر، لم أكن أعرف أو افهم معنى الحزن، وقتها انتابني شعور بالضيق، شعور بالقيد، وعدمِ القدرة على البكاء أو الخروجِ من قيد الألم، بل حتى دموعي لم تنزل، ربما هو الرفض.. عدم نزول الدمع، الصمت، ربما رفض الوعي الاعتراف بحجم الفاجعة.
فيما بعد هذا الحزن المكبوت الذي لم يجد متنفسه في البكاء واللطمِ، أخذ شكلا جسديا ونفسيا، فصرتُ شاحبة، هزيلة، وكئيبة. حينها أخذني أبي الى الطبيب، وبعد اجراء الفحوصات ومناقشة أبي.. قال الطبيب أن العلاج هو: مساعدتها على البكاء بأعلى صوتها واللطم.. فمن منظور نفسي، يعتبر التعبير عن الحزن، بكل أشكاله، آلية صحية لتفريغِ الشحنات السلبية والبدء بعملية الشفاء والتكيّف مع الفقد.عندما يكبت الحزن، يمكن أن يتجلى في أعراض جسدية أو نفسية أشد تعقيدا. تلك الطقوس اصبحت من منظوري كامرأة جنوبية وثيقة قدسية ، لا وجود للحزن دونها. تتماهى صورة الحزن العراقي الجنوبي مع مشهد آخر، مشهد عزاء المرحوم زياد الرحباني، وظهور السيدة فيروز. تظهر بثياب أنيقة، وشعر مرتب يزينه منديل من الدانتيل الفاخر، وترتدي النظارة، وتجلس بكل هدوء وطمأنينة. حتى أنها حين رفعت يدها بمنديل أبيض ورفعت نظارتها قليلا، ظننتُ أنها ستمسحُ دمعةً، إلا أنها مسحت برقة أنفها، موضع جسر النظارة، ربما بسبب تعرق أنفها أو ثقل النظارة. وهناك، يثور التساؤل هل تختلف المشاعر بين البشرِ حسب الطبقات والمنازل والثقافات؟ هل يختلف شعور الأم من دولة لأخرى أو من أسرة لأخرى؟ أو من ثقافة لأخرى؟.
الألم على الفقد، واحد، وحجم الفراغِ الذي يخلفهُ الغياب متشابه في كل قلب. والأمومة، شعور عابر للحدود، حزن الأم على فقد ولدها لا يمكن أن يقاس بثقافة أو موروث.
لكن التعبير عن الحزن هو ما يختلف، فبينما يجد البعض سلوته في الصمت والاحتساب، يجد آخرون التنفيس في التعبير الجسدي.
والسؤال يظل معلقا في فضاء الذاكرة الجماعية، يهمس مع كل لطمة وكل شقة ثوب وكل دمعة: من أين جئنا نحن العراقيين، بطقوس حزننا؟!

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن