|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

إبراهيم اليوسف
2025 / 7 / 29
زياد رحباني شاعراً وهو في الثالثة عشرة من عمره
مجموعة" صديقي الله الشعرية والطفل في مختبر مطلق الكون
إبراهيم اليوسف
لم يكن من قبيل المصادفة أن يظهر نص شعري بحجم "صديقي الله" في مناخ بيروت المتحوّل أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن الماضي، ولو على هيئة كائن صغير، لا يبلغ من العمر اثنتي عشرة سنة. ففي ذروة صعود الشعر الحر وانحسار القصيدة التقليدية الموروثة، ومع انتقال الشعر العربي من قلق الكلام إلى قلق اللغة. المفردة، خرج صوت زياد رحباني لا من مطبعة ولا من ندوة، بل من بيتٍ كانت الأقدار تسكبه فناً. كتب زياد هذه النصوص بين عامي 1967 و1968، وسجّلها رسمياً في 31 آب 1971، ولم يكن قد بلغ الثالثة عشرة بعد، ومع ذلك استطاع أن يُنجز ما عجز عنه كثيرون ممن أُدرجوا ضمن مدارس الشعر الحديث، وتحديداً أولئك الذين نحتوا ما عُرف بجيل الستينيات.
إذ إنه في زحمة التأريخ القاسي للمنطقة، وفي اللحظة اللبنانية المتورمة بالانقسام السياسي والطائفي، وُلد زياد رحباني عام 1956. فلم يكن ظهوره حدثاً فنياً عرضياً، بل تجسيداً نادراً لما يعنيه أن يولد صوتٌ من قلب بيتٍ يُطرّز الفن بالمسرى، وتُنحت فيه اللغة من صخر الموهبة الخام. إذ كان زياد، ابن فيروز التي هزت العالم وعاصي الذي استعصى على الاستعادة، مشروعاً متفجراً من الداخل، لا يكرّر ولا يستنسخ، بل ينقلب حتى على إرثه ليصنع نبرته المغايرة. غير أن المفاجأة الحاسمة لم تأت من تمرده الموسيقي ولا من سلوكه المسرحي المختلف، بل من ديوانه "صديقي الله" الذي دوّنه وهو بعد طفل لم يتجاوز الثانية عشرة.
نجد أنفسنا أمام عمل لا يمكن اختزاله في كونه "أول ديوان لزياد"، بل لحظة عابرة في الفوضى الكونية حيث يُمسك طفلٌ لبناني بجناح الله، ويحادثه لا بوصفه مرجعاً عالياً، بل باعتباره صديقاً يسكن الجدار الخلفي للذاكرة الطفولية. من هنا فإنه لا يجوز التعامل مع هذا النص على أساس براءته الظاهرية، بل على أساس اختباره لتماسك العالم بعيون من لم يُفسده الوعي بعد.
مجموعة" صديقي الله" الشعرية التي وصلتني في نسخة" ب د ف"تتضمن تسعاً وأربعين نصاً ينتمي لقصيدة النثر من نمطها الباكر، وتتحرك ضمن مجالات رؤيوية تتراوح بين البيت، الغابة، المدرسة، الحرب، والموت، من دون أن تفقد مركز ثقلها: حضور الله كمرافق يومي لا كرقيب غيبي. عدد الصفحات في النسخة المتاحة هو اثنتان وسبعون صفحة، ولربما لم تصدر عن دار نشر معروفة، ولا احتوى على غلاف، وعلى الأرجح أنه لا تتوافر طبعة مستحدثة عنها، كما يخيل إلي، ما يعزز فرضية أن النُسخة- التي بين يدي- أرشيفية لا طبعة متداولة رسمياً، لم يتح لي الحصول عليها أو قراءتها متكاملة من قبل؟
إذ ينفتح أول النصوص على جملة "أنا صغير. ولسادس مرة أطفئ الشموع"، يُختزل المنجز الوجودي في شمعة تُطفأ، لا احتفالاً، بل اعترافاً بالعبور المؤقت. الجملة التي تتابع لاحقاً: "ما أعرف؟ لا أعرف شيئاً. لا أعرف إلا أن لي بيتاً بجدران، سريراً وصورتين، خبزاً وماء لا غير" تعلن عن اقتصاد سردي شديد الكثافة. وهنا لا يهم عدد الكلمات، بل عمق الحذف الذي مارسه الكاتب على واقع الطفولة المعيش، حيث يتحوّل البيت من ملاذ إلى قيد.
لكن لا ينحصر النص في الداخل، بل يخرج إلى الطبيعة بحثاً عن الله. في النص الثاني (ص.6)، يقول:
"إن الله صديقي، وقالوا يوماً
ورحت أفتش عن صديقي
في الأحراج، بين الزهور المورقة، وراء الصخور، في الأشجار
وخافت مني العصافير وهربت
ترى صديقي كالعصافير خاف مني وهرب؟"
هذا التساؤل لا يخص اللاهوت، بل يخص هشاشة العلاقة الأولى مع الكائنات. وهنا يظهر الله لا كمطلق مخيف، بل ككائن حميمي قد يخاف، وقد يهرب، وقد يسكن الأشجار أو الصور.
في النص السابع (ص.11–12)، يلاحظ قارىء المجموعة أن صورة الأم تتشكّل الأم كمرافقة وجودية، لكنها أيضاً عاجزة عن حماية المعنى من الضياع:
"قالت أمي: سنذهب معاً، خذ السلة
وأنا لا فرحة لي أكبر من أن أحمل السلة
مشينا، السماء سكرت من لونها الأزرق، ولبست لوناً رمادياً
ونزلنا إلى الجلالي علّنا نجد عنباً
ووجدنا عنقوداً واحداً، والريح تسقط حبوبه واحدة بعد واحدة"
هنا لا يكون فقدان العنب مأساة غذائية، بل خسارة رمزية تفضح عجز الطبيعة عن منح الوفرة، وتُظهر الغياب كمشهد متكرّر لا صدمة عارضة.
وفي النص الحادي والعشرين (ص.40)، يقول:
"لو عددتُ ضحكات أمي لي
لرافقتني طوال صعودي
ووقعتْ من بعدي الضحكاتُ على الدرج
وأزهرت زهراً"
ليتحوّل الدرج، الذي هو في أصل بنية الصعود، إلى مزهرية للضحك المؤجل. هذه العبارات لا تصدر عن طفل يحاكي بلاغة ما، بل عن شاعر يُعيد تأثيث اللغة بالأم، والضحكة، والحركة.
في النص الثلاثين (ص.52)، يُعيد ترتيب الوجود انطلاقاً من الضحكة:
"ضحكتَ لأنك
نحن في الوجود
ضحكتَ يوماً
فتفجرتْ من ضحكتك
الناسُ والأطفال"
بهذا التحوير يصبح الله هو الضحك، لا لأنه سببُه، بل لأنه قادِر على تفجيره، فتُعاد صياغة الكوسمولوجيا من ضحكة، لا من كن فيكون.
وفي النص الثاني والثلاثين (ص.54) يقول:
"إن لم أكن فرحاً
لا أستطيع أن أصلي
ما من مرة صليت
إلا وفي قلبي
عصفورٌ يلعب
وغصن يلوّح"
هنا تُستبدل آليات التعبد، ويغدو الفرح هو وحده شرط الصلاة، ما ينسف البنية الطقوسية ويعيد الدين إلى الأرض.
ومن أبرز مفاصل التحوّل داخل النص حين يدخل حدث الحرب. نجد أن القتال لا يوصف، بل يُصوَّر كارتجاج داخل البيت. الصورة تسقط، الأب يركض، الأم تضم فلذة كبدها، الطفل يغرق تحت اللحاف. لا دروس في الوطنية ولا توصيفات قتالية، بل ثمة تكسّر داخلي. حيث الطفل لا يسأل عن السياسة، بل عما وراء الجاري بثقله وسواده: "ما الحرب؟". ويأتي الجواب في النصوص التالية على لسان الأطفال الذين يُطلب منهم رسم أغصان، فيرسمون فوقها عساكر، ويُطلب منهم رسم زهور، فيرسمونها مداسة. ومن هنا، فإن هذه اللقطة لا يمكن إدراجها ضمن الشعارات، بل في خانة البكاء الطفولي الذي فضح الكبار.
ثقافة زياد لا تُقاس بالمراجع، بل بفطرته العميقة، إذ إنه كان يكتب من داخل القلب، دون وسائط. كل مقطع في هذا الديوان يعلن أنه لا يتبع تياراً ولا يحاكي صوتاً، بل يترك اللغة تكشف ارتجافها. وهو ما يضع هذا النص داخل خانة الفعل التأسيسي المنسي في قصيدة النثر. ولو كتب زياد ديواناً آخر بعد "صديقي الله"، لأزاح أسماء كثيرة من واجهة المشهد الشعري، لأنه بدأ من حيث يجب أن يصل الشعراء لا من حيث نجدهم يبدؤون.
وحيث أن الديوان لم يُنشر كما يجب، وغابت عنه القراءة النقدية، فلا بد من إنصافه بوصفه واحدة من أكثر التجارب النثرية صدقاً وتفوقاً في بيروت الستينيات، في مناخ كان يُنتج فيه الكبار قصائدهم ويعيدون هندسة اللغة. غير أن هذا الصبي أتى بلا إعلان، كتب وذهب، وترك كتابه شاهداً. ومن هنا فإن ديوان "صديقي الله" ليس توثيقاً لصوت طفل، بل بلاغ شعري عن عجز العالم وعبقرية الصمت.
بهذا، يثبت أن الشعر الحقيقي، خارج بروتوكولاته وشروطه المسبقة لا يُقاس بالسنوات، بل بقدرة المفردة على أن تسكن بيتاً فيه سرير وصورتان وخبز وماء، لا غير.