ومضة ضوء: الذكرى الثالثة والسبعون لليوم الأسوأ والأكثر سوادًا في تاريخ مصر.

محمد سعد خير الله
2025 / 7 / 27

تحلّ هذه الأيام الذكرى الثالثة والسبعون لانقلاب الثالث والعشرين من يوليو 1952، اليوم الذي غيّر مسار مصر الحديث، يوم اجتاح فيه الطاعون العسكري البلاد، فانقلبت الموازين، وتحولت دولة واعدة تسير بثبات نحو بناء مؤسسات مدنية حديثة إلى جمهورية فاشلة تُدار بمنطق الإقطاع العسكري. كان الانقلاب أشبه بعملية سرقة مكتملة الأركان، نفذها ضباط مرتبكون اجتماعيًا، ينحدر معظمهم من طبقات دنيا، وكان العديد منهم إما أعضاء في تنظيم جماعة الإخوان المسلمين أو متأثرين بأفكاره. اجتمعوا على الحقد الاجتماعي وكراهية الآخر واحتقار العلم والمعرفة، فاغتالوا التجربة المدنية التعددية وأجهضوا الحياة السياسية.

وللتاريخ، رفض الملك فاروق مواجهة الانقلاب عبر "قوات الحرس الحديدي" القادرة على سحقه، وفضّل التنازل عن العرش لابنه ولي العهد حقنًا لدماء المصريين. نجح الانقلاب، وأسس قائده الفعلي جمال عبد الناصر جمهورية عسكرية رجعية ذات طابع ريفي وإسلامي الهوى. كان العصف شاملاً لكل شيء، حتى في هوية الدولة؛ فبعد الوحدة مع سوريا في 22 فبراير 1958 أُعلن قيام "الجمهورية العربية المتحدة"، ورغم انهيار الوحدة في 28 سبتمبر 1961 استمر عبد الناصر في استخدام الاسم وكأن مصر ما زالت متحدة مع المجهول، ولم يُصحَّح الوضع إلا بعد وفاته عام 1970 حين بادر الرئيس أنور السادات عام 1971 إلى إعادة اسم "جمهورية مصر العربية".

انهيار الدولة المدنية وصعود جمهورية العساكر

قبل انقلاب 1952، كانت مصر تسير بخطى ثابتة نحو تحديث حقيقي: برلمان منتخب، أحزاب مدنية فاعلة، قضاء مستقل، واقتصاد حر نامٍ جذب رؤوس الأموال العالمية، ومجتمع تعددي يحترم القانون ويحتضن التنوع الديني والعرقي. أما بعد الانقلاب، فبدأ الانهيار المنهجي؛ إذ فُككت المؤسسات المدنية، وفُرض الحكم العسكري المباشر، وصودرت الحريات، وأُقصيت النخب السياسية والفكرية. تحولت الدولة إلى إقطاعية مغلقة تحكمها الأوامر العسكرية، وكانت "انتصارات" العسكر الوحيدة على أجساد المصريين: قمع، اعتقالات، سجون، ومجازر. وعلى الجبهات العسكرية، كانت الهزائم العنوان: حرب 1956، حرب اليمن، وهزيمة 1967 المذلة. وحتى حرب 1973 التي يفاخرون بها لم تكن، عسكريًا، سوى هزيمة لولا مبادرة السادات للسلام، تلك المبادرة الاستثنائية التي دفع حياته ثمنًا لها بعد اغتياله في قلب عرض عسكري لم تُطلق فيه رصاصة لحمايته. ولولاها لبقيت سيناء حتى اليوم خارج السيادة المصرية.

تدمير الاقتصاد وتحويل مصر إلى دولة فاشلة

قبل يوليو 1952، كانت مصر الملكية تملك وفرة اقتصادية واحتياطيًا نقديًا ضخمًا مدعومًا بغطاء ذهبي في البنك المركزي، وكانت من الدول القليلة التي تُقرض الآخرين. لكن الانقلاب أطلق سلسلة مصادرات وتأميمات حوّلت الاقتصاد الحر إلى بيروقراطية عسكرية مركزية، فانهارت الصناعة الوطنية، هربت رؤوس الأموال، تراجع التعليم، وهاجر العقول المبدعة. بدد عبد الناصر ورفاقه تلك الوفرة في مغامرات عسكرية متهورة رُفعت لها لافتات "هذيانية" معادية لإسرائيل، وزُرع هذا العداء في المخيال العربي، ليجد المصريون أنفسهم بعد عقود غارقين في ديون طاحنة وفقر متزايد.

تطهير عرقي وتدمير مجتمع تعددي

كان انقلاب يوليو أيضًا جريمة اجتماعية. فقد تعرض اليهود المصريون نحو80ألفًا من أصل 25 مليون نسمة لعملية تطهير عرقي واقتصادي ممنهجة: اعتقالات تعسفية، مصادرة ممتلكات، تجريد من الجنسية، وتهجير قسري. هؤلاء الذين ساهموا في بناء الاقتصاد الحديث وأثروا الفنون والصحافة والمسرح جرى اقتلاعهم في أكبر عملية تطهير عرقي في تاريخ مصر الحديث. المشهد تكرر بشكل أخف مع المتمصرين من اليونانيين والطليان والشوام والأرمن، الذين شكلوا ركيزة أساسية في التجارة والصناعة والفنون، وأُجبروا على الرحيل بعد مصادرة ممتلكاتهم. بهذه السياسات خُنق مجتمع كان نموذجًا للتعددية والتعايش، وتحولت مصر إلى دولة منغلقة طاردة للكفاءات، فقدت قدرتها على المنافسة الإقليمية والدولية.

واليوم يتكرر المشهد نفسه، وإنْ بأساليب مغايرة. فالأقباط البالغ عددهم نحو 18 مليونًا يتعرضون لتمييز مؤسسي ممنهج، وحرمان من المناصب العليا في الدولة والجيش والأجهزة الأمنية، فضلًا عن استهداف متكرر للكنائس والممتلكات القبطية، وحملات تحريض اجتماعي وديني تغذيها أدوات إعلامية ورسائل دينية رسمية وغير رسمية. وتُضاف إلى ذلك جريمة مستمرة منذ عقود تتمثل في اختطاف الفتيات القبطيات وإجبارهن على تغيير ديانتهن أو تزويجهن قسرًا في ظل تواطؤ أمني وصمت قضائي، وهي ممارسات لا تقل خطورة في أثرها المجتمعي، إذ تخلق شعورًا عامًا بعدم الأمان وتدفع بالكفاءات القبطية إلى الهجرة، ما يعيد إنتاج ذات الحلقة المفرغة من الإقصاء والتفريغ السكاني التي شهدتها مصر مع اليهود وغيرهم في منتصف القرن العشرين.

مستقبل غامض وديون تخنق الدولة

بعد ثلاثة وسبعين عامًا، نحصد نتائج كل ذلك: فقر مستشرٍ، انهيار شبه كامل في التعليم والصحة ودخل الفرد، وتصدُّر قوائم القمع والفقر عالميًا. أما الديون الخارجية فتتجه إلى مستوى غير مسبوق، إذ يُتوقع أن تبلغ 181 مليار دولار بنهاية العام المالي الحالي. الاحتقان الاجتماعي بلغ حدًا ينذر بانفجار داخلي في أي لحظة، فيما أعدت "جمهورية العساكر" العدة لإطلاق الإرهابيين إذا خرج المصريون احتجاجًا. لم يعد أمامهم ترف التغيير من الداخل، وبات الخيار الوحيد الممكن تشكيل حكومة إنقاذ وطني من المنفى قبل أن يصبح إنقاذ ما تبقى من الوطن مهمة مستحيلة.

خاتمة

ما حدث في 23 يوليو 1952 لم يكن يومًا للتحرر، بل انقلابًا عسكريًا دمّر أسس الدولة المدنية الحديثة وأعاد مصر عقودًا إلى الوراء. إنه اليوم الأكثر سوادًا في تاريخها الحديث، وسيبقى كذلك حتى تعود مصر إلى حضن الدولة المدنية: دولة الحرية والسلام والديمقراطية التي حُرمت منها منذ ذلك اليوم المشؤوم.

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر