|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

مازن كم الماز
2025 / 7 / 26
القتل و التعذيب على الملأ هو واحدة من أهم امتيازات السلطة ما قبل الحداثية إن لم تكن أهمها و هو ليس أسلوب عقاب و تأديب فقط بل هو أسلوب إخضاع في نفس الوقت بل لعل وظيفته كإخضاع أهم بكثير منه كعقاب … استعادة داعش و أخواتها لأساليب العقاب العلني ما قبل الحداثية يحمل دلالات مهمة جدًا ، و مركزية فكرة الحدود العقابية في خطاب الإسلام السياسي بكامل حمولتها الهمجية تؤكد على تلك الدلالات و على شكل المجتمع الذي تريد تيارات الإسلام السياسي إنتاجه … رأينا التمرين الطويل الذي قامت به تلك التيارات و المنظمات في الرقة و ادلب و ريف حلب على مدى أكثر من عقد و نتائجه في مجازر الساحل و السويداء ، بينما كان "الناشطون" في الخارج و مؤسسات الائتلاف و المجلس الوطني يتحدثون عن الديمقراطية أو الحرية على الأقل كانت تلك الممارسات على الأرض تؤسس للنقيض تمامًا رغم ذلك بقي هؤلاء يطلقون اسم المناطق المحررة على المناطق الخاضعة لداعش و أخواتها … صحيح أن ظل رجل المخابرات كان يخيم على كل مكان في سوريا الأسد لكن العقاب و التأديب كان يمارس بعيدًا عن الأنظار في أقبية المخابرات و سجون النظام العديدة إلا فيما ندر عند الضرورة القصوى كما في حماة ، داعش و أخواتها نقلت التعذيب و القتل إلى مستوى جديد أرفع بكثير ، كان التطبيق الأسبوعي و أحيانًا شبه اليومي "للحدود" بما فيها جلد الزانية و خاصةً رجمها بمشاركة جماعية من الذكور الحاضرين و قطع الرؤوس قد حول العقاب أو ممارسة الهمجية باسم السلطة الثيوقراطية أي الحاكمة باسم الله ، إلى ممارسة علنية يومية … هذا يكشف لنا مستوى الهمجية و دورها في مخيلة الإسلام السياسي عن مشروعه المجتمعي و الثقافي و "الحضاري" أصبحت لازمة جئناكم بالذبح أساسية في الخطابات اليومية للإسلام السياسي و لم تكن مجرد تهديد بل ممارسة فعلية شبه يومية … طقس رجم الزانية الجماعي الذي يتحول فيه كل الذكور من مجرد متفرجين إلى جلادين كان تدريبًا جماعيًا على الهمجية و تفجيرًا جنونيًا لكل مشاعر الكبت الجنسي التي تستحوذ على ذكور المجتمعات المحافظة … صحيح أن داعش ، و أخواتها ، تمتعوا بشعبية في المجتمعات التي حكمتها لكنها حافظت مع ذلك على مسافة بعيدة بينها و بين "العوام أو العامة" و كان العقاب العلني بأشكاله الأكثر همجية هو رسالتها الأهم ليس فقط لخصومها بل أيضًا لأولئك العوام أو العامة في المجتمع الذي تحكمه ، لافت للنظر هنا حالة التماهي بالمعتدي التي رأيناها و نراها ليس فقط عند هؤلاء العوام أو العامة ، بل أيضًا عند "مثقفين" و "سياسيين" مثل ميشيل كيلو و جورج صبرة و آخرين … يمشي هذا يدا بيد مع عملياتها الانتحارية و انغماسييها الانتحاريين ، هنا يكتمل شكل المشروع الداعشي بأشكاله و أنماطه المختلفة الذي يقع العنف العاري و بأشد أشكاله همجية في مركزه ، ما جرى في مجازر الساحل و السويداء لم يكن إلا تجلي من تجليات هذا المشروع … خلافًا لما قد يتوهمه المرء من تناقض كامل بين هذا المشروع بتجلياته المختلفة و بين السياسة عمومًا كممارسة أكثر إنسانية و عقلانية أو بينه و بين أهداف و أساليب سياسيين أو زعماء دول أو مشتغلين "بالهم السياسي" ، فالطلب على هؤلاء الهمج القتلة كبير جدًا في السياسة أو بين زعماء الدول و حتى السياسيين من كل المشارب فهؤلاء الهمج معروفون بقدرتهم العالية على إنجاز أهداف صعبة و معقدة لا يمكن إنجازها بنفس السلاسة و السرعة و الكمال باستخدام أساليب أخرى رغم علم الجميع بخطورة استخدام و الاستثمار في هذه التيارات و همجيتها … اعتقد السادات بقدرته على استخدامهم ضد خصومه الأخطر الناصريين و الشيوعيين فأطلق لهم العنان و حرية الحركة بما في ذلك الاعتداء على خصومهم بالجنازير و السكاكين في ساحات الجامعات ، للحقيقة فقد أنجز هؤلاء تلك المهمة على أكمل وجه لكن الرجل انتهى مقتولًا على يد نفس الهمج الذين أطلقهم من القمقم ، حدث هذا أيضًا مع امريكا نفسها و القاعدة و ابن لادن و أيضًا الأسد الصغير و الجهاديين الذين كان يرسلهم إلى العراق لإشغال الامريكان هناك … مع ذلك تبقى الحاجة لهؤلاء موجودة و ملحة أحيانًا للقيام بالأعمال القذرة نيابة عن هذه الدولة أو تلك أو عن هذا التيار السياسي أو ذاك ، الصمت و التشجيع الضمني أو العلني و تبرير الهمجية سيستمر ما دامت هناك مهام قذرة لا بد منها لتكريس سيطرة و لو متوهمة لهذه الدولة أو لذلك التيار السياسي أو "الثقافي" ، و هنا يبدو ترديد بعض المثقفين للنقد الفوكوي لأشكال العقاب الحداثية أو المستحدثة و نفاقها تزييفًا لهذا النقد ففوكو لم يكن يطالب بالعودة إلى أشكال أكثر همجية قبل حداثية للعقاب بل لمساءلة فكرة و ممارسة العقاب نفسها كآلية هيمنة و إخضاع … لا يعني هذا أنني أعتقد أن داعش بتجلياتها العدة هي مجرد نتاج لتلك الرغبة في وجود أمثالها أو أنها نتاج أجهزة استخبارات ما بل هي في الواقع أقرب لأن تكون ذروة جبل الجليد أو تتويج لتطور "الفكر" الإسلامي منذ صدامه الأول العنيف مع فكر النهضة الذي يتبرأ منه اليوم معظم المثقفين ، السوريين على الأقل
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |