تداعي الدولة العراقية: حين تنهار البُنى من داخلها

سعد العبيدي
2025 / 7 / 25

في عيادة الوطن النفسية، يستلقي العراق متعبًا من وهنٍ داخليٍّ غائرٍ في عمق الروح المؤسسية، واعتلالٍ اقترب من أن يكون مزمنًا في جهازه الإداري والسياسي. تعيش دولته، منذ عام 2003، ما يشبه الاضطراب النفسي؛ حالة من الإنكار يُدرك خلالها الخطأ، يُرى ويُلامس، دون امتلاك الجرأة للمعالجة. اضطراب يقترب من حدود الفشل، الذي لم يعد بحاجة إلى إثبات، بعدما بات واقعًا يتكرر بصور متعددة في تفاصيل الحياة اليومية.
وفي محاولة للهروب من مسؤولية الاعتراف، تتجه أصابع الاتهام نحو الخارج: الأميركيون، الإيرانيون، الإسرائيليون، ومشاريع كبرى مثل "الشرق الأوسط الجديد". تُطرح هذه العوامل وكأنها المذنب الوحيد، وكأن الداخل بريء، في تجاوز صريح لحقيقة تؤكد أن تلك العوامل لم تكن لتنجح لولا قابلية داخلية على التفكك، واستعداد نفسي لقبول الانكسار.
فلا يُخفى أثر الولايات المتحدة حين قررت حلّ الجيش ومؤسسات الدولة، وتغييب النخب، وإطلاق العنان للدين السياسي دفعة واحدة، مما فتح أبواب الفوضى على مصاريعها. كما لا يغيب عن الوعي كيف مدّت بعض دول الجوار أذرعها في الجسد العراقي الواهن، حتى صار النفوذ يُدار من خلف الحدود.
ومع ذلك، تبقى هذه العوامل، ومثيلاتها، أقل أثرًا من الانهيار الداخلي؛ إذ، وحين تتفكك مناعة الدولة، وتخور قواها الذاتية، تُعرف الأخطاء ولا تُعالَج، وتُؤشَّر جهات الفساد ولا تُتهم، يكون الأثر مشاعر خوف، وتردد، وانعدام ثقة في مفاصل الدولة العليا، ويكون الوزير متجنبًا اتخاذ القرار بالتهميش "حسب الضوابط"، والمدير العام متحسبًا من ردة الفعل، والموظف منسحبًا بصمت، والمواطن منعزلًا حائرًا. سلسلة انهيار أو خلل تقود إلى شلل مؤسسي يشبه نوبة الهلع، حين تسيطر على الجسد فتشلّه.
لقد تراكم هذا الخلل تدريجيًا حتى بلغ القيادة العليا، التي فقدت القدرة على الإمساك بزمام الملفات المصيرية، كالسلاح والطائرات المسيّرة والحدود. وفقدت بعض مفاصلها الاهتمام بالتصحيح والإصلاح، فلاذت بالصمت الدفاعي. وهنا لم يعد الخلل إداريًا فحسب، بل تحوّل إلى انعكاس لاضطراب نرجسي، يعدّ الاعتراف بالفشل تهديدًا لصورة متخيّلة عن القوة، تُقدَّم على حساب الحقيقة والفعل.
وفي قلب هذا الخلل، تاه القانون في مؤسسات الدولة الأمنية. حين استقوى بعض القادة بحمايات ميليشياوية أو سياسية نافذة، حوّلوا الأمن إلى مظلة انتقائية تُطبّق على البعض وتُرفع عن آخرين، ويُغالى في إنفاذه على مكوّن دون آخر. فتحوّل القانون من أداة عدالة إلى أداة ولاء، ما زاد من درجات الخلل، حتى صح القول: إن العراق، في صورته الراهنة، لم يعد مجرد دولة مريضة بالضعف، وإنما كيانًا مأزومًا على مستوى الوعي؛ فقد ثقته بنفسه، وبمؤسساته، وبقدرته على التصحيح. وهو في أمسّ الحاجة إلى لحظة صدق تجرؤ على النظر إلى الداخل، حيث يكمن الجرح الحقيقي.
ويصح القول أيضًا إن العلاج يبدأ من مواجهة الذات، من الإدارة العليا، من تغيير ثقافة الحكم، وتفعيل المحاسبة، واستعادة المعنى الغائب للمسؤولية. وبدون ذلك، سيبقى العراق يدور في حلقة مفرغة من فشل موروث، وإنكار متكرر، وتبرير لا ينتهي.
ويصح القول كذلك الى إن الحاجة لم تعد مقتصرة على إعادة الإعمار، وإنما إلى إعادة تأهيل نفسي، سياسي، إداري، وأخلاقي. وعندها فقط، يمكن أن تقوم الدولة... من ركامها.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي