ثورة ٢٣ يوليو والتعليم .. حين تصبح الطباشير شعلة تحرير

محيي الدين ابراهيم
2025 / 7 / 24

«إنّ بناء المصانع سهل، ولكن بناء الإنسان هو التحدي الأعمق» – جمال عبد الناصر.
في عمق كلّ شعبٍ محتلّ، تسكن شعلةٌ لا تخبو: إنها الحرية. ليست الحرية ترفًا فكريًا، بل قانونًا كونيًا ينبت تلقائيًا في تربة الكرامة. وإن طال زمن الاحتلال، يظلّ الوعي الجمعيّ يحمل في جيناته توقًا سرمديًا إلى الانعتاق. ولأنّ المستعمر لا يمنح الحرية، فإنّ الثورات ليست خيارًا، بل استجابة حتمية لنداء الداخل. وهكذا كانت ثورة يوليو 1952 تجلّيًا نقيًا لإرادة شعبٍ اختار أن يكتب تاريخه بيده، وأن يُعيد رسم مستقبله خارج دوائر النفوذ الأجنبي والفساد المحلي.

الثورة والمعلم: من حارس على السبورة إلى صانع أمة:
منذ لحظة انبثاقها، أدركت الثورة أنّ معركة التحرير لا تنتهي بخروج الاستعمار، بل تبدأ من بناء الإنسان الحر. لذلك لم يكن التعليم مجرّد قطاع خدمي، بل بات في قلب المشروع الوطني. وعندما تحوّل اسم "وزارة المعارف" إلى "وزارة التربية والتعليم"، كان ذلك أكثر من مجرّد تعديل إداري؛ لقد كان إعلانًا أن الوطن الجديد يُربّي أبناءه على الحرية، والعدالة، والانتماء القومي.
ففي الفصل الدراسي، لم يكن الطالب يتعلم الأبجدية فحسب، بل كان يتشرّب قيم الثورة: الكرامة، الإنتاج، مقاومة الاستعمار، والارتباط بالوطن العربي الكبير. صار المعلم أحد جنود التحرير – سلاحه الطباشير، وخندقه السبورة، وعدوه الجهل والتبعية.

المدرسة ميدانًا للوعي القومي:
التحول الجذري في وظيفة المدرسة بعد 1952 لم يكن أمرًا عارضًا، بل أحد أعمدة المشروع التحرّري. أعيدت كتابة الكتب المدرسية لتُعيد إلى الأذهان تاريخ مصر المُشرّف، وتُضيء مسيرة الكفاح الوطني من أحمد عرابي إلى سعد زغلول، وصولًا إلى ضباط يوليو الأحرار. وتم تعزيز الروح القومية عبر تدريس اللغة العربية بصفتها رابطًا حضاريًا وروحيًا بين أبناء الأمة الواحدة، بدلًا من هيمنة اللغات الأجنبية التي كانت تحمل في طيّاتها رموز الهيمنة الثقافية.
بل إنّ الأناشيد المدرسية تحوّلت إلى نشيد قومي يومي، يغرس في الطفل فخر الانتماء. في الصباح، كان الطلاب يصدحون: "يا جمال يا مثال الوطنية، يا حبيب الشعب يا قائد الحرية". لم تكن الكلمات مجرّد ترديد، بل طقسًا وطنيًا ينمّي الشعور بالانتماء.

التصدير الحضاري: المعلّم المصري سفير الثورة:
لم تحتفظ مصر بثورتها لنفسها، بل اعتبرت أن رسالتها القومية تقتضي نقل مشروعها التنويري إلى الوطن العربي. هكذا تمّ إيفاد آلاف المعلمين إلى الخليج وسائر الدول العربية، ليس فقط لنشر التعليم، بل لغرس قيم التحرر والنهضة. لم يكن المعلم المصري في الكويت أو البحرين أو قطر مجرد ناقل للمعرفة، بل كان حاملًا لرسالة تاريخية: بناء الإنسان العربي الحديث، المتحرر من التبعية، الواعي بهويته، المستعد للمشاركة في صياغة مستقبل عربي مشترك.
وقد كانت شعوب الخليج، الخارجة بدورها من عباءة الاستعمار، متعطشة لهذا الخطاب. فكان للمعلم المصري أثرٌ بالغ في تشكيل الوعي القومي في الخليج، وفي مرافقة النُظُم التعليمية الحديثة التي نشأت هناك في خمسينيات وستينيات القرن العشرين.

الإرادة الشعبية: ثورة نابعة من الناس وإليهم:
ما يُميّز ثورة يوليو هو أنها لم تكن انقلابًا فوقيًا، بل لقيت تأييدًا شعبيًا عارمًا منذ لحظاتها الأولى. الشعب خرج إلى الشوارع مباركًا لها، والنخبة المثقفة وقفت خلفها، والريف المصري رأى فيها فرصة للعدالة الاجتماعية، والتحرر من سيطرة الإقطاع. لقد سكنت الثورة قلوب الناس لأنها خاطبت أحلامهم العميقة، ووعدتهم بمستقبل يملكونه لا يُمنّ عليهم به.
ولم تكن الثورة مجرد شعارات؛ بل ترجمت أقوالها إلى أفعال: تمّ تأميم قناة السويس، وإصلاح الأراضي، وتوسيع التعليم، وبناء طبقة وسطى جديدة. لم تكن الدولة تحكم من فوق، بل تُبني من تحت – من المدارس، والمراكز الثقافية، والإذاعات، والنقابات، ومجالس القرية.

المدرسة كقلب للعدالة الاجتماعية:
في فلسفة يوليو، كان التعليم حقًا وطنيًا، لا امتيازًا طبقيًا. لذلك، شهدت مصر توسعًا هائلًا في المدارس والمعاهد والجامعات، حيث تضاعفت أعداد المدارس أضعافًا خلال عقد واحد فقط. ولم تعد المدرسة مكانًا لتلقين النخبة، بل صارت مصنعًا للمواطن الصالح، المهني، المنتج، المؤمن بدوره في النهوض بالوطن.
بل إنّ التعليم لم يكن غاية لذاته، بل وسيلة لبناء مجتمع منتج وعادل. فقد ربطت المناهج الدراسية بين القيم والممارسة: بين العدالة الاجتماعية والتنمية، بين القومية والاقتصاد، بين التاريخ والمستقبل.

عندما تتحول المدرسة إلى وطن مصغر:
حين تُصبح المدرسة امتدادًا للوطن، يتحول التعليم إلى فعل تحريري، لا تلقيني. وما فعلته ثورة يوليو هو أنها جعلت الصف الدراسي خلية ثورية ناعمة، يُولد فيها المواطن من جديد – لا بوصفه فردًا طائشًا، بل كعضو في جسد أمّة تتحرر وتنهض.
لقد أثبتت ثورة يوليو أن المعركة الحقيقية ليست على حدود الوطن فقط، بل داخل نفوس أبنائه. وحين نجحت في تحويل المعلّم إلى فاعلٍ وطني، والطالب إلى مشروع تحرر، كانت قد دشّنت إحدى أعمق تجارب النهوض في تاريخ العالم العربي.
وفي زمن الارتباك الثقافي المعاصر، تبقى هذه الثورة درسًا مفتوحًا: أن الأمم لا تنهض بقرارات فوقية، بل بتربية الجيل، وتعليم العقل، وصناعة الوعي. وهنا، فقط، تولد الحرية من رحم الطباشير.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي