الكتابة فعل مقاومة وامتداد للحياة

الهيموت عبدالسلام
2025 / 7 / 17

في زمن يتناسل فيه الضجيج وتخفت فيه الأصوات العميقة، تصبح الكتابة ليست فقط ضرورة جمالية أو وسيلة تواصل، بل شكلاً من أشكال المقاومالكتابة فعل مقاومة وكامتدادة، وأداةً لحماية الذات من التلاشي، والذاكرة من المحو، والحقيقة من التحريف، إننا نعيش مرحلة تاريخية باتت فيها الكلمات تُستهلك كما تُستهلك البضائع، تباع وتشترى، وتُسخَّر لتزييف الوعي و تبرير القهر والتطبيع مع الظلم والاصطفاف مع معسكر الشر والباطل
أصبحت الكتابة ساحة اختبار أخلاقي ووجودي، لا مجرد مهارة لغوية أو قدرة على الإنشاء ،الكتابة والقراءة معا أفعال مقاومة ضد النسيان والتفاهة والمحو
نحن لا نقرأ ولا نكتب فقط لنفهم العالم، بل لنقاومه إذا انحرف عن مساره الإنساني، ولهذا كانت الكتابة دائما فعل حبّ، وفعل عدالة، وفعل حرية، وفعل تغيير، ، وانحياز للضعفاء ضد الجلادين، وهي انحياز للحياة في وجه الموت الرمزي، إنها انتصار للقيم الإنسانية
ليست كل كتابة مقاومة، وليست كل كلمة صادقة،هناك كتابة تُستخدم كأداة للتضليل، وكوسيلة للتخدير، وكصوت مأجور في خدمة الطغيان، يقول جان بول سارتر: "الكاتب الذي لا ينحاز للمقهورين يتخلى عن دوره الأخلاقي ويلتحق بمعسكر الأقوياء
الكتابة التي تُلمّع القبح، وتُسوّق للوهم، وتصفّق للطغيان تحت غطاء الفن أو الواقعية أو الحياد الأكاديمي الزائف. إنها كتابة مرتزقة
الكتابة ليست استهلاكًا ولا ترفا، بل تمرين على الانتباه، وعلى الشك، وعلى الحلم، والكتابة ضرورة كونية في مواجهة التفاهة والخراب، وكما قال كامو: "على الكاتب أن يكون في خدمة الحقيقة والعدالة، حتى ولو على حساب راحته الشخصية"
ٱكتب، حتى لو مزّقت الريح أوراقك، فالفكرة الصادقة لا تموت.
اكتب، حتى لو لم يقرأك أحد، فالكتابة شهادة تُقال أمام منصة الوجود
اكتب، حتى لو سخروا من لغتك، فالكلمات التي تُكتب بصدق لا تخجل من العتمة
اكتب، حتى لو لم تجد دار نشر، فأنت تبني داراً للحياة في كل جملة
اكتب، حتى لو كانت اللغة عرجاء، فالقلب أبلغ من كل القواميس
اكتب، حتى لو اختنقت بالحزن، فالكتابة تنقذك من الغرق فيك
اكتب، حتى لو كان صوتك خافتاً، فالصدى لا يحتاج إلى صراخ
اكتب، حتى لو نُسيت، فالأثر لا يُقاس بالشهرة بل بالصدق
اكتب، لأن الصمت خيانة حين يكون لديك ما يستحق أن يُقال
اكتب، حتى لا تموت مرتين: مرة بصمتك، ومرة بنسيانك
اكتب، لأن الكتابة تحررك حتى لو بقيت سجين الورق
اكتب، لأن لا أحد سواك يستطيع أن يحكي قصتك كما أنت
اكتب، لأن العالم يحتاج إلى المزيد من الأصوات النزيهة
اكتب، ولو بدمعة، فربما تثمر دفاترك ورداً
اكتب، ولو على جدار مهمل، فربما يكون الشاهد الوحيد هو الغد
اكتب، لأن الحبر الذي يشهد لنزيفك، أصدق من تصفيق المزيفين
اكتب، ولو كانت الجملة مكسورة، فالعالم نفسه مكسور وينتظر من يُصلحه بالكتابة
فلنكتب إذن، كما لو أن العالم يتوقف على كلماتنا
ولنقرأ، كما لو أن وعينا رهين بما نكتشفه خلف السطور
فلنكتب لأن الكتابة حين تكون وفيةً للإنسان، هي أجمل ما يمكن أن نتركه وراءنا
فلنكتب لأن الكتابة مقاومة ضد المحو والنسيان ، الكتابة مقاومة ضد الجنون، ضد الانهيار، ضد الغرق في هاوية الذات ، يضيف سيوران لولا الكتابة لانتحرت ، الكتابة هي الوسيلة الوحيدة لأبقى على قيد الحياة
فلنكتب فإن الكتابة الحقيقية يقول إدوارد سعيد" تقف دائمًا في وجه القوة، وتفضح صمت العالم المتواطئ
فلنكتب لأننا لا نكتب لنُرضي أحداً بل نكتب لنقول الحقيقة، الحقيقة التي يُخاف منها ، نكتب لنستعيد كرامتنا وحريتنا كما يقول" غسان كنفاني"
فلنكتب فالكتابة مقاومة ضد الوجع، وضد الصمت، وضد فكرة أن الأشياء لا تتغير ، الكتابة حبر للروح لأن ما يقال يُثقل الذاكرة ، يقول "تشيخوف " حين أكتب أشعر أنني أُشفى من مرض لا أعرف اسمه
الكلمة الحق هي بداية التغيير ، وهي البندقية التي لا تُهرّب بل توجه إلى العقل والقلب يقول درويش شاعر المقاومة
تصبح الكتابة خلاصاًحين تخرج من وجع صادق، من ذات ممزقة تحاول أن تُلملم ما تكسّر فيها ، وتصبح مُخلِّصة حين تُحاول تفكيك القبح، وتعرية الظلم، وتعزيز الكرامة، وحين لا تستعير صوتاً ولا صدى، بل تخلق صوتها الخاص ،الكتابة كما يقول "غسان كنفاني" هي أن تقول ما لا يُقال، وتُزعج من لا يريد أن يسمع ، وليس التشويش على المأساة و تسفيه الأمل
الكتابة في حقيقتها مسؤولية وجودية، لا مجرد فن أو مهنة، أو حياد كاذب ، الكتابة موقف وكل موقف إما أن يكون في صف الحياة أو ضدها
الكتابة إما أن تحرر القارئ أ و تكبله ، والصمت أحيانا أطهر من خبر خائن
اكتب فقط حين يكون في صدرك ما يستحق أن يُقال،اكتب حين تكون الكتابة دعوةً للاستنهاض وليس للتنويم،اكتب حين تكون كلمتك خنجراً في قلب الزيف، ووردة في وجه اليأس
ولا تكتب إن كنت لا تملك إلا التكرار، أو التزويق، أو المجاملة أو الإقتيات ،فالكتابة الخائنة لا تسقط بفعل الزمن، بل تلعنها ذاكرة الشعوب

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي