|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
محمد سعد خير الله
2025 / 7 / 17
في الأول من أبريل عام 2018، خرجتُ قسرًا من وطني "دولة الحزم العليا".ومنذ لحظة مغادرتي، روحي معلّقة هناك... لا هي مستقرة في المنفى، ولا قادرة على العودة. أحملها كل صباح كما يحمل المنفي علمه في الجيب، لا يُشهِره، لكنه لا ينساه.
وفي وقتٍ تتزامن فيه موجة من "الحرائق الغامضة" التي تجتاح دولة الحزم العليا، نُفاجأ تقريبًا كل ساعة برسائل متضاربة تصدر عن مؤسسات الدولة من خلال أذرعها الإعلامية رسائل يروّج لها أفراد يُطلق عليهم زورًا وبهتانًا "صحفيون" و"إعلاميون".
تلك التصريحات المتضاربة تكشف بوضوح عن صراع سلطوي عنيف داخل ما يمكن وصفه بـ جمهورية العساكر العليا الحزمية، صراع بلغ ذروته وبدأ يتسرّب إلى المجال العام بصورة مقلقة.
وفي قلب هذا المشهد المضطرب، يستحيل تجاهل، بل من الضروري تذكّر، سلسلة التهديدات العلنية التي أطلقها :الرئيس الحُزْمي" خلال السنوات الماضية، والتي تكشف بشكل صارخ عن هشاشة الدولة في ظل حكمه.
في أبريل 2016، قال:
"لو مشيت، الدولة لا هتنفع لينا ولا لغيرنا."
تصريح يربط بشكل مباشر مصير الدولة ببقائه في السلطة.
في أكتوبر 2019، صرّح:
"أنا ممكن أنشر الجيش الحزمي في 6 ساعات يسيطر على البلد." وهو تهديد واضح باستخدام الجيش كأداة للقمع الداخلي.
وفي أكتوبر 2023، أطلق الرئيس الحُزْمي أكثر تصريحاته خطورة: "ممكن أهدّ الدولة بـ باكتة و30 مليون دولار وشريط ترامادول."(في هذا السياق، يُقصد بـ"الباكتة" كمية من مخدر البانجو.)
هذا الخطاب المروّع يلمّح بقوة إلى وجود ميليشيات ظلّ جاهزة للتحرك بأمر مباشر منه لنشر الفوضى والانهيار.
وأول ما يتبادر إلى الذهن في هذا السياق هو"صائب ممدوح " الذي كان يُعرف سابقًا بـ"رئيس جمهورية
البلطجة"، وهو مسجون جنائي سابق تحوّل لاحقًا إلى مدير شركة "فرجون"أكبر شركة أمن خاصة في دولة الحزم العليا.
كما يظهر في الصورة "إبراهيم النعماني" زعيم الميليشيات في شبه جزيرة الشرق، والمقرّب من نجل
الرئيس ضابط الاستخبارات النافذ. ومن اللافت أن النعماني هو الآخر سبق أن قضى فترة
في السجن الجنائي قبل صعوده المفاجئ إلى مراكز النفوذ.
"دولة على حافة الانفجار"
تجد دولة الحزم العليا نفسها الآن على متن قطار مسرع يتجه مباشرة نحو محطة تحمل عنوانًا
مرعبًا: "الانهيار الكامل والشامل".وقد رأينا هذه المحطة من قبل بأشكال مختلفة في دول مجاورة، حيث لا تزال الدماء تنزف، والأنقاض باقية.
لكن التاريخ الحديث يقدّم وجهًا آخر للواقع: دول عديدة تراجعت عن حافة الهاوية عبر تنظيم انتخابات رئاسية مبكرة تحت إشراف دولي مباشر وكامل، مما مهد الطريق لانتعاش اقتصادي وتنموي واستقرار سياسي.
أما في الحالة الحزمية، فإن مجرد طرح هذا الخيار يبدو ضربًا من السخرية، في دولة تُباع فيها نتائج الانتخابات سلفًا، ويُدفع فيها "المعلوم" لضمان الفوز في مسرحيات معدّة سلفًا لكل من مجلس الشعب ومجلس الشيوخ.
"معارضة مزيفة وأقنعة السلطة"
والأسوأ من كل ذلك، أن معظم من يُصنّفون ضمن "المعارضة الداخلية" ليسوا سوى ممثلين ثانويين
في مسرح النظام، يؤدّون أدوارًا مرسومة بإتقان، سواء عن وعي أو عن جهل، مدفوعين بأيديولوجيات مفلسة: من الإسلاموية الداعشية إلى الناصرية الهذيانية، ومن اليسارية المهترئة إلى كراهية التنوير.
في الواقع، هم أدوات مناهضة للحداثة، متحالفة بعمق مع ملالي طهران ووكلائهم :
حماس والجهاد الإسلامي في غزة
حزب الله في لبنان
الحوثيون في اليمن
كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق في العراق
وباختصار، هم يهلّلون لأي قوة تعادي إسرائيل والولايات المتحدة ودول الخليج، حتى لو كانت أنظمة قمعية أو ميليشيات دموية.
"القلة الشريفة... صامتة في الداخل"
أما الأصوات الشريفة حقًا، التي تستحق أن يُصغى إليها، فهي أقل من أن تُعدّ على أصابع اليد الواحدة. ومع ذلك، فهي عاجزة تمامًا داخل بلد لا يُسمح فيه للعصافير أن تُغرّد، ولا للفراشات أن تطير، دون إذن أمني.
لقد تجاوزت الدولة الحزمية منذ زمن بعيد رفاهية "التغيير من الداخل".
أرقام الرعب: دولة مفلسة ومجتمع محطم
انهيار كامل في التعليم والصحة.
معدلات فقر واقعية تتجاوز 70٪.
مؤشرات انتحار في تصاعد حاد.
ديون خارجية تجاوزت 162 مليار دولار.
ديون داخلية تقترب من 10 تريليونات جنيه مصري.
متوسط دخل الفرد من بين الأدنى عالميًا
الجيش يحتكر أكثر من 90٪ من الاقتصاد وهو من المفترض أن يكون ملكًا للمجتمع.
الحياة السياسية ميتة، والمجال العام مدفون
أكثر من 60 ألف معتقل سياسي.
مئات المواقع والمنصات الإعلامية محجوبة بالكامل.
"الخلاص من المنفى"
لم يعد هناك أي طريق للخلاص سوى تشكيل حكومة إنقاذ وطني من المنفى، تكون جاهزة للتحرّك عندما يحين الوقت.
ينبغي أن تضم هذه الحكومة شخصيات حزمية كفؤة، ذات نزاهة حقيقية وثقل دولي، معروفة بمبادئها الليبرالية، وإيمانها الصادق بالسلام، وابتعادها التام عن أوهام الإسلام السياسي وأيديولوجيته التدميرية التي استعصت على كل علاج.
على هذه الحكومة أن تطرح خارطة طريق واضحة وقابلة للتنفيذ، تبدأ بإنقاذ الدولة من الانهيار، وإعادة هيكلة مؤسساتها، وإرجاع الجيش إلى مكانه الطبيعي في الثكنات، بالتزامن مع إطلاق عملية تحوّل ديمقراطي حقيقي تنتهي بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية تحت إشراف ومراقبة الأمم المتحدة.
آمل أن أرى قريبًا مبادرة شجاعة من أولئك الحزميين العقلاء، قبل أن يصل قطار الخراب إلى محطته الأخيرة.
"الخلاص لا ينتظر الإذن... بل يصنعه من يمتلك الإرادة."
| في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن | حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |