|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
فارس إيغو
2025 / 7 / 16
بعد الخمود النسبي لحرائق الغابات في الساحل اندلعت الحرائق في محافظة السويداء. وبعيداً عن المسببات وشريط الأحداث المُدمي لقلوب جميع السوريين، والضحايا الذين قضوا من مختلف أطراف الصراع، نقول بأن تدخل الدولة في هذا الصراع كان قراراً متسرعاً ومغامرة لم تحسب عقباها ومنعكساتها على مستقبل التعايش بين المكونات السورية في المستقبل القريب والمتوسط. إن الدولة السورية التي بدأت مسيرتها الجديدة بعد التخلص من الطغيان الأسدي ما زالت دولة في حالة من التشكل، ولا يمكن للقائمين عليها أن يتصرفوا بحكم أنهم يقودون دولة متكوّنة ومكتملة الأركان والمؤسسات. في هذه الحالة، على السلطة الجديدة أن تلجأ إلى كافة الوسائل لتهدئة الحرائق الطائفية دون اللجوء للتدخلات العنيفة، كونها لم تسيطر بعد على العناصر المتشددة في معسكرها، وهذا يرجع لتركيبتها وبنيتها السابقة. إنّ من المجازفة الخطيرة التدخل في الصراع الطائفي الذي اندلع في محافظة السويداء بالتذرع بشرعية (غير مكتملة بعد) حول حصرية السلاح. وعندما تحدث عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر عن قيام الدولة على مبدأ حصرية استعمال العنف الشرعي، لم يقصد فيبر أي دولة، بل دولة الحق، الدولة المكتملة حسب كتابات هيغل عن الدولة القومية الألمانية، وليست دولة السلطة السورية القائمة التي لم تكتمل بعد كدولة نظراً للعقبات والمشاكل الكثيرة التي تأتي من الإرث الصعب الذي ورثته من النظام السابق، وكذلك الراجع لبنيتها، وبالخصوص البنية العسكرية الأمنية التي تشكلت من العديد من الفصائل التي من الصعب أن تشكل جيشاً وطنياً في فترة زمنية قصيرة جداً. لذلك يجب أن تعتمد خلال تدخلاتها الضرورية جداً ضد ما يسمى (فلول النظام)، على نخبة النخبة لديها من العناصر المختارة بعناية. وقد نوهنا منذ الأيام الأولى للتحرير على أن العدو الأول لهذه السلطة الجديدة هي العناصر المتشددة، سواء داخل التركيبات العسكرية الأمنية، أم في المجتمع الأهلي حيث بدأت هذه المجموعات الأهلية المتزمتة بالتحرك وإثارة الفتن منذ الأسابيع الأولى للتحرير عن طريق عدة مظاهر مثل سيارات الدعوة مع مكبرات الصوت التي تتجول في شوارع دمشق والمدن الأخرى، وتدخل الأحياء حيث تسكن فيها غالبية من المكونات الطائفية من الأقليات محدثة الرعب لدى السكان، والخوف على مستقبلهم.
إنّ السلطة الحالية تقضم الكثير من شرعيتها (في الداخل والخارج) من خلال تدخلاتها العسكرية والأمنية غير المحسوبة، متذرعة بحجج لا تقنع أحداً حول حصرية السلاح في يد الدولة، لكن أي سلاح هو الأخطر اليوم؟ هل السلاح للدفاع عن النفس أم السلاح الإجرامي، وسلاح العنف الرمزي والتحريض الطائفي على منصات التواصل الاجتماعي؟
منذ الأيام الأولى للتحرير، والتعامل المدني الحضاري لعناصر الهيئة في المدن حيث وجود مكونات طائفية من الأقليات، اكتسبت السلطة الجديدة، بالإضافة للشرعية الثورية، شرعية جديدة من قبل 99% من السوريين، بمن فيهم 99% من الأقليات، وحتى في المناطق حيث يتواجد فيها العلويين الذين شعروا للمرة الأولى بالارتياح من التخلص من النظام السابق الذي استغلهم على مدى 54 عاماً. وقد أشاد معظم السوريين بالإنجازات الكبيرة للدبلوماسية الجديدة التي فكت الحصار الخارجي عن البلد خلال مدة قصيرة، وكانت ثمرة هذه الدبلوماسية المنفتحة رفع العقوبات عن سورية بمدة خيالية، بالإضافة إلى التحوّل من الاقتصاد الفوضوي الذي ساد طوال الحقبة الأسدية نحو اقتصاد السوق الحر، وكذلك قرار إلغاء الخدمة الإلزامية التي أراحت الملايين من الشباب السوري في الداخل والخارج.
إنّ السيطرة الكاملة للسلطة الجديدة القائمة على إدارة مؤسسات الدولة الجديدة يجب أن تستمر بالطرق اللينة، واللجوء إلى مراكمة الحلول الصغيرة للمشاكل الكبرى التي تواجه البلد منذ التحرير بعيداً عن استخدام القوة.
لا بدّ من تغيير المسار بعد ثمانية أشهر من التحرير، وتصحيح الأخطاء الكثيرة التي تراكمت، وأهمها البعد عن إقصاء المكونات الطائفية والعرقية والسياسية من المشاركة الحقيقية في القرار، وعلى الأقل استمزاج آراءهم في العديد من القرارات التي تتعلق بتوجهات النظام وطبيعته للسنوات والعقود القادمة، فالسوريين الذين صبروا عقود تحت نير الاستبداد الأسدي المتوحش، قادرين على الانتظار بشأن التحوّل الديموقراطي الناجز، ولكن لا يمكن لهم أن يقفوا مكتوفي الأيدي عن انتهاك الحريات، سواء الحريات السياسية والفكرية بسبب التقييدات والقرارات الكثيرة الخاطئة من قبل السلطة، أو الحريات الاجتماعية التي تحاول المجموعات الإسلامية المتشددة القضم منها دون حسيب ولا رقيب من قبل السلطة السورية الجديدة.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |