|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

حامد خيري الحيدر
2025 / 7 / 12
تُعتبر مجلة "سومر" وديمومة ورودها على مدى سنين طويلة منذ صدور عددها الأول عام 1945 وحتى الآن واحدة من أهم الانجازات التي حققتها وتفخر بها المؤسسة الآثارية العراقية في جانبها الاعلامي، وكان إصدراها بمثابة نتيجة مُكملة للجهود الحثيثة الرائعة التي بدئها الآثاريون العراقيون الرواد في ثلاثينات القرن العشرين، وما أثمرت عنه جهودهم الرائعة تلك من نتائج مهمة لأعمالهم الآثارية الحقلية ودراساتهم التاريخية، التي أخذت بالازدياد والتطور بمرور الوقت، لذلك دعَت الحاجة لإصدار مطبوع يتم فيه توثيق تلك الأعمال، إضافة الى نَشر آخر المقالات والبحوث العلمية الخاصة بعلم الآثار والتاريخ باللغة العربية وكذلك باللغات الاجنبية.
وقد كان لمدير الآثار العام آنذاك الدكتور ناجي الأصيل دور كبير في إنجاز هذا المشروع، حيث تولدت لديه فكرة إصدار المجلة مباشرة بعد توليه منصبه في عام 1944، حيث أراد حينها أن ينهض بمؤسسة الاثار العراقية، ويُحوّلها الى مؤسسة علمية عالية المستوى، تعتمد الأسلوب المنهجي الأكاديمي في توثيق نشاطاتها، أضافة الى مسؤولياتها الأخرى في عمليات التنقيب والصيانة الأثرية وإدارة وتأسيس المتاحف. وقد نجَح الدكتور الأصيل في مساعيه هذه الى حدٍ كبير، حيث ساعده آنذاك في تلك النهضة نخبة مهنية راقية من جيل الآثاريين الرواد والعاملين في الحقل الآثاري مثل فؤاد سفر، طه باقر، بشير فرنسيس، كَوركَيس عواد، محمد علي مصطفى. ولحّد هذا اليوم تُعتبر الفترة التي تولى فيها هذا الرجل إدارة الأثار العراقية بمَثابة العصر الذهبي الذي يَصعب تكراره لهذه المؤسسة.
ولتنفيذ هذا المشروع الكبير فقد تشّكلت لجنة خاصة للأشراف على شؤون المجلة الوليدة، والتي كانت بمثابة هيئة تحرير لها.. حيث تكوّنت اللجنة برئاسة الدكتور ناجي الأصيل وعضوية كل من..
1_ سيتن لويد ... المستشار الفني لإدارة الآثار
2_ حسين عوني عطا ... معاون مدير الآثار العام
3_ بشير فرنسيس ... رئيس مفتشي الآثار
4_ طه باقر ... أمين المتحف العراقي
5_ فؤاد سفر ... الخبير الفني بشؤون الآثار
6_ كَوركَيس عواد ... أمين مكتبة المتحف العراقي
7_ سامي خماس الصقار ... مفتش / سكرتير اللجنة
وقد عَمَدت اللجنة الى اختيار الدكتور مصطفى جواد مستشاراً لغوياً للمجلة، كي تُعرض عليه البحوث المُقدمة للنشر للتحقق من سلامتها اللغوية، حيث كان مُعاراً خلال تلك الفترة للعمل في مديرية الآثار، وفي الوقت نفسه كان أستاذاً للملك فيصل الثاني 1935_1958.. من جانب آخر اقترحت اللجنة المُشّكلة عدة أسماء لتكون عنواناً للمجلة مثل.. بابل، آشور، نينوى، بلاد الرافدين، أكد، الوركاء، بين النهرين.. لكن الآراء استقرت على أسم "سومر" تكريماً لبلاد سومر مهد أولى الحضارات الانسانية، كما اتفقت اللجنة أن يكون حجم المجلة من النوع الكبير بقياس 24×30سم، كي يتسع لحجم الصور والمخططات التي ترافق عادة البحوث والتقارير الآثارية. ولكي تأخذ مداها العالمي، تقرر أن تُصمّم المجلة بقسمين.. الأول هو القسم العربي (من اليمين الى اليسار)، ويضّم المقالات والبحوث المكتوبة باللغة العربية أو المترجمة اليها، والثاني هو القسم الأجنبي (من اليسار الى اليمين)، ويضّم المقالات والبحوث المكتوبة باللغات الاجنبية من انكَليزية وفرنسية وألمانية وغيرها من اللغات الأخرى.
وقد عانت المجلة صعوبات كبيرة عند اصدارها أول مرة، بسبب الظروف الصعبة التي حلت بالعراق خلال فترة الحرب العالمية الثانية 1939_1945، من ناحية تأمين الورق بحجمه الملائم وايجاد أحبار الطباعة المناسبة، وكذلك اختيار المطبعة التي يمكنها تنفيذ هذا العمل، لكن رغم ذلك فقد تكللت تلك الجهود العظيمة بإصدار مجلة "سومر" التي غدَت المجلة العلمية الرسمية للمؤسسة الآثارية العراقية، وذلك في شهر كانون الثاني عام 1945، لتلاقي ترحيباً كبيراً في الأوساط الثقافية والأكاديمية العراقية والأجنبية.
وقد كان نظام اصدار المجلة منذ عددها الأول بواقع مرتين في العام أي جزئين في مجلدين أحدهما شتاءً والآخر صيفاً، ثم أصبحت منذ عام 1956 تصدر مرة واحدة في منتصف العام بشكل جزئين في مجلد واحد، لتصبح هذه المجلة وعن جدارة الواجهة الرئيسية للمؤسسة الآثارية العراقية والمرآة التي تعكس أعمالها ونشاطاتها، حيث تم فيها نشر معظم نتائج التنقيبات التي جَرت في العراق، وكذلك الدراسات والبحوث المتعلقة بتلك النتائج، فأصبحت بمرور الوقت بمثابة أرشيف آثاري متكامل لدراسات آثار العراق وتاريخه، لتَسعى الى اقتنائها أرقى المكتبات العالمية ومراكز البحوث الآثارية، ومن المفيد ذكره أيضاً أنه قد أصبح للمجلة تقليد غير مُعلن عبر الزمن، هو أن يتولى رئيس المؤسسة الآثارية إضافة لواجباته ومسؤولياته رئاسة تحريرها وإدارتها، وبالرغم من إصدار المؤسسة الآثارية العراقية للعديد من المطبوعات والدوريات الأخرى مثل مجلة "المسكوكات"، لكن بقت "سومر" على الرغم من سنين عمرها الطويلة هي الأولى والأهم من بينها .