العقل البشري وقدرته على التنبؤ

أحمد عمر النائلي
2025 / 7 / 12

من كان يتوقع أن النظام في سوريا سينهار بهذه السرعة ، من كان يتوقع أن ما حدث للبوعزيزي في تونس سيؤثر على المنطقة العربية بالكامل ، أو أن حادثة اغتيال ولي عهد النمسا فرانز فرديناند مع زوجته سيشعل الحرب العالمية الأولى ،هل هذا يعني أن عقولنا لا يمكنها أن تتنبأ بالمستقبل وخاصة الاحداث الاستثنائية ، لان قوانين الظواهر لا يمكن لعقولنا أن تدركها لأنها قاصرة من حيث الامكانات والخِلقة ، أو أنّ العكس هو الصحيح وفق ما ذكره الفيلسوف ديكارت بأن العقل له القدرة للوصول إلى الحقائق ، فهو القادر على صنع المعرفة وأن الفوضى التي نراها في الوجود هي نظام من نوع خاص لا نعرفه وفق ما ترى نظرية الفوضى Chaos theory .
إن حدوث الكثير من الاحداث المفاجئة والكبيرة والمؤثرة جعل الانسان يتساءل ، لماذا لم أتمكّن من التنبؤ بها ؟، هل المشكلة أبستمولوجية معرفية تحتاج الى وقت أم أنها انطولوجية لا يمكن تجاوزها أبداً ، وأن الانسان غير مؤهل لإدراك طبيعة الوجود ككل ؛ لأنه لا يملك الامكانات العقلية والادوات لتحقيق ذلك ، وهذا ما يجعل عِلم المستقبل futurology أمام مُساءلة منهجية من حيث الشرعية العلمية ، تضعنا أمام سؤال مهم وهو : هل يمكن أن نتنبأ بالمستقبل ، في هذا الاطار صدر عام 2007 كتاب " البجعة السوداء: تأثير الأحداث غير المحتملة للغاية the black swan: the impact of the highly improbable " ،للكاتب الامريكي اللبناني نسيم طالب nassim nicholas taleb ، وهو احد الكتب التي تصدرت 36 أسبوعاً في قائمة صحيفة نيويورك تايمز لأكثر الكتب مبيعاً في الولايات المتحدة .
حيث دعم هذا الكتاب فكرة أن الظواهر يجب التعامل معها بمنطلق عدم اليقين من حيث الحدوث والتأثير ، ويرفض تفسير الظواهر من منطلق خضوع الظواهر للتوزيع الطبيعي أو الناقوسي الذي يعرفه الإحصائيون ؛ لان الطبيعة أصعب من أن يدركها الانسان ويفهم قوانينها ليضعها في توزيعه الناقوسي ، حيث قدّم لنا نظرية البجعة السوداء Black Swan Theory ، التي تشير إلى عدم القدرة على التنبؤ بالأحداث النادرة وكأنها مستحيلة الحدوث .
ويرمز الدكتور نسيم طالب للحدث النادر غير المتوقع بالبجعة السوداء نادرة الوجود ، وهو تعبير لاتيني استخدمه الشاعر الروماني جوفينالس Juvenalis ، عندما قال بأن الشخص الصالح نادر مثل البجعة السوداء ، حيث كان تعبيراً شائعاً في لندن في القرن السادس عشر .
ويرى الدكتور نسيم طالب أن لأحداث البجعة السوداء نادرة الحدوث ثلاث خصائص أساسية ،وهي نُدرتها الشديدة التي لا يمكن توقعها بناءً على التجارب السابقة أو الإحصاءات التقليدية و تأثيرها الضخم عندما تحدث، حيث تُغير مجرى التاريخ أو النظام بالكامل (مثل الثورات، الكوارث الاقتصادية) ، كما أن إدراكها بأثر رجعي بعد وقوعها يحدث من الناس من خلال تبريرها واعتبارها متوقعة باستخدام البيانات المتاحة سابقاً، وهو خطأ معرفي .
كما أشار الدكتور نسيم طالب الى أن العقل البشري لديه تحيّزات بشرية في التفكير والتحليل ، حيث وضّح كيف أن العقل البشري ليس مهيّاً لفهم الظاهرة العشوائية والأحداث النادرة التي لا تخضع للتوزيع الطبيعي من حيث :
 التحيّز للتأكيد : حيث يميل الناس للبحث عن أدلة تؤكد توقعاتهم بدلاً من اختبارها بموضوعية.
 التحيّز من خلال الإدراك المتأخر : فبعد وقوع الحدث، يبدو كما لو كان واضحاً ومتوقعاً من قبل.
 الوهم بالسيطرة: حيث يعتقد الانسان أنه يفهم العالم بشكل أفضل مما هو عليه، ونبالغ في قدرتنا في التحكم فيه.
يقترح د. نسيم طالب تبني اللايقين لمقاربة حدوث وتفسير الظواهر ، رغم انه يشير الى استحالة توقّع حدوثها لحجم عشوائيتها الكبير ، لذلك يجب اعتماد مناهج تحسِب العشوائية واللايقين بدلاً من السعي للتوقّع الدقيق .
كما قدّم امثلة على صدق اطروحته مثل : الانهيار المالي عام 2008 الذي لم تتوقعه المؤسسات الكبرى التي تعتمد على النماذج التقليدية و هجمات 11 سبتمبر 2001 التي غيّرت السياسة العالمية والأمن ، بالإضافة الى اكتشاف الإنترنت الذي أثّر بشكل جذري على الاقتصاد والثقافة ، وأضيف من عندي مثال ما حدث بعد حادثة البوعزيزي في المنطقة العربية .
مشكلة الانسان مع الوجود ربّما ليست مشكلة معرفية ابستمولوجية ، بل تكمن في طبيعة الوجود المعقّدة ، والتي لا يمكن ادراكها بعقولنا القاصرة على ذلك ؛ لذلك أَعجب من الذين يدّعون أنهم يملكون الحقيقة وأنهم قادرون على تفسير الوجود في عالم أكثر ما فيه علامات الاستفهام التي تحيط بنا من كل جانب ، وفي الختام تذكر أن منطق البجعة السوداء يجعل ما تجهله أكثر أهمية مما تعرفه .

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي