الخرافة ..حين يستحمر العقل

احمد عناد
2025 / 7 / 9

الخرافة

حين يُستَحمَر العقل باسم الغيب: الخرافة كفنّ للاستسلام”
✦ النص:
يُقال إن العرب سمّوا كل ما لا يُعقل “خرافة” نسبة لرجل غاب ثم عاد بقصص عن الجن والعوالم الغيبية…
لكن من المضحك المبكي، أن ما كان في الماضي يُرفض ويُستهزأ به، صار اليوم يُصفّق له، ويُسجد له، ويُبكى له!

الخرافة لم تعد حكاية قبل النوم.
بل أصبحت عقيدة قبل القبر.
صارت تمشي بيننا بثياب الواعظ، وصوت الشيخ، ومصطلحات التنمية، وأحيانًا بختم “العلم” نفسه.
نحن لا نعيش الجهل… نحن نُستَحمر.

قال شريعتي ذات يوم:
“الاستحمار ليس أن تكون جاهلًا… بل أن تُسلِّم عقلك لغيرك وتظن أنك مهتدٍ.”

الاستحمار ليس صفة للفقراء أو البسطاء، بل داءُ كل من نسى أن يفكر، وارتاح لِـمَن يفكر بدلاً عنه.

الخرافة تريحنا. نعم.
تعفينا من وجع التفكير، ومن مسؤولية الوعي.
ولهذا، أُنتجت خصيصًا لتُسكّن الشعوب، وتخدّر العقول، وتجمّد السؤال.
يسألونك: ما سبب خرابنا؟
قل لهم: لأننا آمنا بالخرافة أكثر من الحقيقة.
آمنا أن الطعام الذي يُقدَّم في عاشوراء يُغني عن بناء المدارس.
وأن كل فساد هو “عينٌ حاسدة”، لا سارق في الدولة.
وأن القائد “مختارٌ من السماء”، لا نتاج ماكينة تجهيل.
نخاف أن نسأل. نخاف أن نشك. نخاف أن نقول: “هل هذا معقول؟”.
نخاف من أن نُتَّهم بالكفر إن استخدمنا العقل الذي وهبنا الله إياه.
الخرافة لا دين لها… لكنها تعرف أين تستوطن.
تدخل من بوابة الدين حين يُفصل عن جوهره، ويُختزل إلى طقوس بلا وعي.
تدخل من بوابة العلم حين يتحول العلم إلى “إيمان أعمى” بنظريات لم نفهمها.
تدخل من بوابة الوطنية حين تُحوّل الزعيم إلى نصف إله.

الخرافة ذكية…
تلبس ما يناسب جمهورها:
• عند المتدين: كرامة.
• عند الجاهل: تقليد.
• عند السياسي: خطة.
• وعند النائم: خلاص.
آن لنا أن نفيق
كفى أن ننتظر المهدي ليُصلح ما خرّبناه بأيدينا لاننا نحن من عبث بالدين وكيفه على مزاجه
كفى أن نُرجئ العدالة للآخرة لأن الظالم “ابن عشيرة”.
كفى أن نُبرر الخراب بحديث لم يصح، أو حلم لم يتحقق، أو شيخ لم يفقه.
العقل ليس عدو الإيمان… بل دعامته.
والشك ليس ضد اليقين… بل طريقه.
والله لا يُعبد بخرافة… بل بعقل حر وقلب يقظ.
الخاتمة:
ليس من العيب أن نُولد في بيئة مشبعة بالخرافة…
العيب أن نموت فيها، ونحن نملك عقولًا خُلقت لتفكّر، لا لتتبّع.

قال شريعتي:

“من لا يفكر، يُفكر له غيره… ومن لا يملك وعيه، يُباع ويُشترى دون أن يدري.”
والسؤال اليوم ليس: هل هناك من يستحمرنا؟
بل: لماذا نرضى أن نُستَحمر؟
وإلى متى؟!

لا تخف من التفكير…
خَف من أن يسبقك الجهل بخطوة، ويجعلك تصفق له، وأنت تظن أنك على طريق الحق