|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

داود السلمان
2025 / 7 / 8
منذ لحظة نزول الوحي، كان الإسلام مشروعًا روحيًا وأخلاقيًا قائمًا على التوحيد، ومخاطبة العقل، وتحرير الإنسان من سطوة العبوديات كافة: عبودية الأصنام، القبيلة، السلطان، والهوى. لكنّ هذا المشروع الكبير، الذي بُني على البساطة والصفاء، لم يلبث أن وقع في قبضة التأويل السياسي والصراعات الأهلية، حتى تمّت "سرقته" تدريجيًا، لا بمعنى النهب الظاهر، بل بمعنى التفريغ من الجوهر، والمحتوى، والإبدال بالمذاهب والفرق التي تدّعي تمثيله، بينما هي في جوهرها تعبير عن صراع السلطة والمعرفة والنفوذ، وطغيان سلطة المصالح.
وهذا ما يعانيه اليوم، المسلم: من مذاهب وتشظي وتفكيك حقيقي، للدين الواحد والذي بُني على مبادئ شيع فيها التسامح والاخلاق ونبذ العنف، بل وتسلط أناس تدعي هي من يمثل الدين الحقيقي، وسواها على ضلال والابتعاد عن منبع الأصل.
إن التحول من دين إلى مذهب، هو تحوّل من الجوهر إلى الشكل، ومن الأصل إلى الفرع، ومن التوحيد إلى التنازع. فالدين، كما في النص القرآني، جاء بصيغة واضحة: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلَامُ} [آل عمران: 19]، بينما المذاهب ظهرت لاحقًا بوصفها قراءات بشرية مرتبطة بسياقات السياسة والخلاف الاجتماعي، ثم ما لبثت أن ادّعت لنفسها العصمة، بل واحتكرت الحديث باسم الإسلام، حتى صار المسلم العادي لا يعرف الإسلام إلا من خلال المذهب، ويكاد لا يفرّق بينهما. هنا بالضبط، حدث "السرقة"، حين حلّ الولاء للمذهب محل الولاء لله، وصار الإنسان يُكفَّر أو يُدان أو يُمجد لا بناء على إيمانه، بل بناء على انتمائه المذهبي والطائفي. والسبب باعتقادي هو ما وصلنا من تراث، وفيه اختلافات كثيرة، من روايات تصب باتجاهات متعددة، يناقض بعضها البعض.
لقد بدأت أولى علامات هذا التحول عقب وفاة النبي مباشرة، حين نشب الخلاف حول الخلافة، فظهر الصدع الأول، وأصبح التنازع على السلطة هو المحرّك الأساسي للجدل الديني. ثم جاءت الفتنة الكبرى (مقتل عثمان ثم علي)، لتعمّق الانقسام، وبدأ المسلمون يتوزّعون بين معسكرات سياسية ـ دينية، وأصبح "الرأي" الديني هو غطاء للانتماء السياسي. إذ تشكلت البذور الأولى للشيعة، والخوارج، ومن ثم المعتزلة وأهل السنة، وكل فرقة تحمل تأويلًا خاصًا للنص، يُلبّس على أتباعها أنه هو الإسلام ذاته، وكل ما عداه باطل وضلال. وهكذا، لم تعد المسألة تدور حول فهم الدين، بل حول احتكاره، حتى صار يقاتل بعضهم بعضا، يكفّر بعهم بعضا، إلى حين كتابة هذا المقال، والأدهى من هذا أنهم يختلفون حتى على يوم العيد، ويوم عاشوراء، أي السنة الهجرية.
ولو عدنا إلى التاريخ، قليلا، - مع احتفاظي بفلسفة التاريخ وأحداث التاريخ - سنحد أن في العصر الأموي، كيف تمّ توظيف الدين لخدمة السلطة بشكل سافر، حيث شاع استخدام الحديث النبوي الموضوع، لتثبيت شرعية الحكم، وتمّ قمع المخالفين باسم "السنة"، كما حدث مع الحسين بن علي ومعارضيه. وفي العصر العباسي، ورغم انفتاح العقل في بدايته، سرعان ما تم قمع المعتزلة، وتثبيت مذهب رسمي، هو مذهب "أهل الحديث"، وتحوّل الخلاف المذهبي إلى أداة للفرز الطبقي والسياسي والاجتماعي. وأصبحت المذاهب مدارس مغلقة، تدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، وتتحوّل إلى ما يشبه الأحزاب المغلقة التي توزّع شهادات الإيمان والكفر حسب أصولها.
ومن هذا المنطلق، قد نبه بعض المفكرين المسلمين إلى خطورة هذا التحوّل، ومنهم ابن رشد الذي فرّق بين الشريعة والفهم الفقهي، وأكد أن الاجتهاد لا يجوز أن يتحوّل إلى وثن. وكذلك أبو حيان التوحيدي الذي انتقد المتكلمين في كتابه الإمتاع والمؤانسة، وعبّر عن خيبة أمله من "أهل الكلام" الذين أفسدوا الدين بخصوماتهم، فغاب الدين بين "صخب المتكلمين وسيف السلاطين". وفي العصر الحديث، أطلق محمد عبده صرخته الشهيرة: "أُصبت بالإسلام، ولم أُصب بالمسلمين"، في إشارة إلى التناقض بين روحية الدين وجمود المذاهب.
أما علي عبد الرازق، فكان أكثر صراحة حين أعلن في كتابه الإسلام وأصول الحكم أن "الدولة الإسلامية" ليست أصلًا من أصول الدين، بل تمّ تحميل الدين ما لا يحتمل، من أجل تبرير الحُكم الوراثي. وقد هوجم عبد الرازق من المؤسّسة الدينية، لأنه جرّأ الناس على الفصل بين "الديني" و"السياسي"، وهو ما كانت ترفضه المذاهب لأنها نشأت أصلاً في حضن الصراع السياسي، ثم لبست لبوس "الدين". وهكذا تمّت سرقة الإسلام مرتين: مرة حين اختُزل في الطاعة السياسية، ومرة حين اختُزل في المذهب الفقهي المغلق.
لقد تحولت المذاهب مع مرور الوقت إلى ما يشبه الطوائف العقائدية، وأصبح الانتماء إليها مقدّمًا على الانتماء للإسلام الجامع، حت أن المذهب الواحد بدأ ينشطر إلى شطرين، وصار المسلمون يقتلون بعضهم البعض باسم "السنة" أو "الشيعة"، ويُقصون المخالفين بدعوى أنهم مبتدعة، أو زنادقة، أو ضالون، بينما القرآن يقول: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]. وأصبحت عبارات مثل "أهل السنة والجماعة"، أو "الفرقة الناجية" عناوين للتمايز والتفوق، لا للتواضع والخشية من الله. وكأنّ كل فرقة قد صنعت لنفسها ربًّا خاصًا، وشريعة خاصة، وقرآنًا خاصًا يمرّ عبر شيوخها وحسب، وهذا بحد ذاته صار أكبر معضلة يعاني منها المسلمون، وتقف حائلا بينهم وبين وحدتهم.
إن أخطر ما في هذه المذهبية هو أنها عطّلت جوهر الدين، أي العلاقة الفردية بالله، والاستقامة الذاتية، والتفكّر، والرحمة، وحرّفت الإسلام عن مقصده الكلي، إلى سجالات فقهية عقيمة، لا تثمر إلا الانغلاق. لقد أصبح الدين عند كثير من الناس "منهج طاعة مذهبية"، لا تحريرًا للعقل والضمير، وصارت المذاهب ـ وهي نتاج بشري ـ مقدسة أكثر من النص نفسه. وما أكثر من يحفظون كتب المذهب، ولا يعرفون من القرآن إلا ما يُوظَّف لخدمة تأويلهم، وثمة كثير من الآيات لا يذكرونا عند منابرهم، وفي خطب الجمع والاعياد، كونها تدعو إلى الوحدة ولم الشمل.
وفي هذا السياق، فإن سؤال "كيف سُرق الإسلام؟" لا يهدف إلى الهدم، بل إلى الاستعادة. استعادة الجوهر من القشرة، والصدق من الرياء، والتوحيد من التعصب. إن استرداد الإسلام من المذاهب لا يعني نفي الاجتهاد أو الغاء الفقه، بل يعني إعادة هذه القراءات إلى حجمها الطبيعي: اجتهادات بشرية قابلة للخطأ، لا أديانًا جديدة تتصارع وتتناسل باسم الدين. ولا خلاص للمسلمين من انحطاطهم الروحي والسياسي إلا إذا تحرّروا من المذهبية التي مزقتهم، وعادوا إلى كتاب الله بوصفه معيارًا، لا سلاحًا.
مراجع ومصادر المقال:
1. القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية 19.
2. أبو حيان التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة، تحقيق أحمد أمين، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب.
3. ابن رشد، فصل المقال في ما بين الحكمة والشريعة من الاتصال.
4. علي عبد الرازق، الإسلام وأصول الحكم، القاهرة، منشورات دار المدى – بغداد العراق
5. محمد عبده، الأعمال الكاملة، ج1، دار الشروق، القاهرة.
6. فهمي هويدي، مواطنون لا ذميون، دار الشروق، 1999.
7. نصر حامد أبو زيد، نقد الخطاب الديني، دار سينا، القاهرة، 1992.
8. د. عبد الجبار الرفاعي، الدين والظمأ الأنطولوجي، المركز الثقافي العربي، بيروت، 2015
| في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن | حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |