|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
2025 / 7 / 8
لا، كانت محاولة مدنية فاشلة للانقلاب على انقلاب 1952 العسكري.
وهل هناك ما يسمى "انقلاب مدني"؟ أعرف أن الانقلابات تكون عادة عسكرية أو مسلحة ولم أسمع بمثل هذا الانقلاب المدني.
بالطبع هناك أشكال كثيرة من الانقلابات، وليس بالضرورة أن يكون السلاح أو الزي أداة الحسم. هناك، مثلاً، انقلاب القصر الذي قد يعتمد دس السم أداة له. لكن ما يميز الانقلاب عن الثورة شيء آخر غير الوسائل المستخدمة. هناك غاية مختلفة لكل منهما تقطع خطاً فاصلاً لا تخطئه العين بين الفعلين. إذ بينما يسعى الانقلاب للسيطرة على النظام عبر اختطافه بالقوة أو بالحيلة أو بوسيلة أخرى حتى يسخره لخدمة غاياته الخاصة تسعى الثورة، على النقيض، إلى إزالة النظام القائم، اقتلاعه من جذوره أملاً في استبداله بآخر من صنعها هي، ولخدمة غاياتها الخاصة أيضاً. في قول آخر، هناك تمايز في الغايات بين الانقلاب من جهة والثورة في المقابل، حتى لو استخدم كل منهما الوسيلة نفسها لبلوغ غاياته. فحيث يسعى الانقلاب لاختطاف النظام القائم كما هو على علاته التي سيداويها بطريقته فيما بعد، لا تترك الثورة ولو حجراً قائماً على حاله في النظام القائم، لأن حتى هذا الحجر الوحيد قد يكون حجر عثرة أمام ميلاد وتوطيد نظامها الثوري المنشود.
انتظر هنا لحظة. نعم، هذا بالضبط هو ما اتخذته 25 يناير شعاراً لها: "الشعب يريد إسقاط النظام". هكذا تكون ثورة لا محاولة انقلاب مدنية كما تزعم. أليس كذلك؟
صحيح. إذا ما قسنا الأمر بالشعارات المرفوعة، تكون بالتأكيد ثورة. لكن، للأسف، الواقع لا يُصنع بالشعارات وإلا لكانت الدنيا شيء مختلف بالكلية عما هي عليه الآن. الأفعال، لا الأقوال، هي ما يصنع ويغير الواقع. ولكي أعطيك الجواب، لابد أن نعرف أولاً ماذا قصدت 25 يناير من "النظام" الذي أرادت أن تسقطه وأخفقت. هل تعرف أنت؟
نعم، بالتأكيد. نظام حسني مبارك وطغمته من رموز الأجهزة الأمنية والحزب الوطني.
جميل! كم أنت رائع حقاً. أوجزت وأفدت. لكن، من يدريك أن هؤلاء هم فعلاً النظام، أو على الأقل كل النظام؟ من يدريك أنهم ليسوا أكثر من واجهة مرئية، قمة جبل ثلج عملاق يواري جسمه الحقيقي في أعماق محيط شاسع؟! من يدريك إذا ما استبدلت هؤلاء ألا يأتيك هذا الجسم الخفي بنسخ أسوأ أو أفضل قليلاً منهم، لكن في جميع الأحوال من نفس طينتهم التي هي من طينة النظام؟! أكثر من ذلك، حتى لو أبعدت جميع هؤلاء واستبدلتهم بثوريين أقحاح، لا تندهش إذا ما وجدت نفس هؤلاء الثوار ينتجون بدرجة أو بأخرى نفس الجنس من الممارسات البغيضة التي أنتجها مبارك وطغمته، ببساطة لأنهم سيعملون من داخل النظام نفسه الذي أنتج هذه الممارسات. النظام منظومة قيم وقواعد جامعة لا نوايا حسنة وشعارات متفرقة يعليها بعض الأشخاص ضد الآخرين.
وما هي تلك المنظومة القيمية، في رأيك، كما بقيت سائدة حتى يوم 25 يناير؟
حسناً. تجدر الإشارة بداية إلى أن الشخص الذي وضع البذرة الأولى لهذه المنظومة القيمية كان الوالي العثماني محمد علي باشا، مؤسس مصر الحديثة. لكن البذرة تضخمت مع الزمن حتى كادت تحتل الشجرة مساحة الدار المصرية كلها، بحيث لا تترك لأصحاب الدار الأصليين متسعاً للحركة واللهو وممارسة باقي شؤون حياتهم الطبيعية.
وما هي تلك البذرة التي تزعم أنها تحولت إلى شجرة متوحشة؟
الدولة.
الدولة؟! هل جُننت؟!
لا. لم أُجن. أعرف أن الدولة قيمة عظيمة في حياة الإنسان المتحضر لا يمكن تعويضها أو الاستغناء عنها. ما أقصده هو أن الشيء عندما يجاوز حده الطبيعي ينقلب إلى ضده، بحيث يتحول الحميد إلى خبيث. أقصد أن الدولة التي أنشئها الباشا أخذت تستفحل وتتضخم ببطيء- ثم بسرعة الصاروخ بعد 23 يوليو 1952- حتى تكاد اليوم تقضي على روح المبادرة والحيوية والفاعلية من أبنائها ومواطنيها المستفيدين منها. دعك الآن من هذا الاستطراد. نعود إلى موضوعنا الأصلي، لماذا اعتبرت 25 يناير محاولة مدنية للانقلاب على انقلاب 1952 العسكري.
بداية، يمكن تقسيم الخصوم يوم 25 يناير إلى 3 فرق: (1) الإسلاميين بشتى تنويعاتهم؛ (2) العلمانيين بشتى تنويعاتهم؛ و(3) رجال النظام أو الدولة بشتى تنويعاتهم. هذه الفرق الثلاثة بتنويعاتها الفرعية الكثيرة كانت متفقة بالإجماع على شيء واحد فقط: الدولة. كل فريق منهم يريد الدولة لنفسه، ولنفسه حصراً. لماذا؟ لأن الجميع، من العلماني الليبرالي إلى الإسلامي السلفي مروراً بالتكنوقراط المتفاني في خدمة الدولة، مؤمن بقدرة الدولة على فعل المعجزات. الدولة تشغل في مخيلتهم نفس المكانة التي يحتلها خالق الوجود، على الأرض وبين الناس. كل فريق يريد أن يختطف الدولة لنفسه حتى ينفذ مشروعه الخاص، الذي يعرف أنه لن يتمكن أبداً من تنفيذه إلا من خلال أجهزة الدولة نفسها. مثل هؤلاء الناس يشبهون الأطفال القُصر في تعلقهم بجلباب أبيهم طلباً للعطف والأمان حتى وهم يوسعونه لكماً وركلاً من شدة الغضب منه. مثل هؤلاء لم يبلغوا بعد سن الرشد حتى يحسوا في أنفسهم الجرأة وروح الاستقلالية والثقة بالنفس لفعل ما يريدون فعله بأيديهم أنفسهم، لا انتظار أبيهم (دولتهم؟) حتى يفعل لهم ما يعجزون عن فعله.
أرأيت كيف كانوا جميعاً منقلبون ولم يكن من بينهم ثوري بحق؟
| في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن | حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر |