|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

مازن كم الماز
2025 / 7 / 1
أبحث في إثر ذلك الجرح النرجسي الغائر الذي أنتج و ينتج كل هذا الكم من الكراهية و الدماء ، هذا ما سنحاول طرق باب التاريخ لفهمه ، رغم أن كشف أعماقه سيكشف لنا في ذات الوقت طوباوية و استحالة إرضاء أو تجاوز أو تضميد هذا الجرح النرجسي ، يطرح هنا السؤال الصعب : كم سيكلفنا الشفاء من هذا الجرح النرجسي ، متى و كيف سنتخلص من هذه اللعنة … جرح نرجسي لأنه أصاب ذاتنا المتخيلة في مقتل ، إنه جرح نزف و ينزف ، من دماء الآخرين قبل دمائنا ؛ جرح نرجسي لأنه أصاب نرجسيتنا المتوهمة و أطاح بها خارج التاريخ و الواقع تاركًا لها فقط عالم الأوهام و المستحيل … صحيح أن انتصارات الإسلام أو لنكن أكثر تحديدًا الدول الإسلامية المبكرة لم تدم طويلًا لكنها رسخت الشعور بتفوق ما مزعوم يرى العالم و التاريخ و الوجود الإنساني كله حول مركز واحد ، هو نحن ، نحن المتخيلة ، نحن المتوهمة ، وهمنا و خرافتنا اللذيذة التي عاشت طويلًا لكنها اليوم سحقت و تسحق كل دقيقة أمام أعيننا بدون رأفة أو رحمة بينما يتكرس نقضها و دحضها مع كل دقيقة و لا نجد بديلًا عنها سوى المزيد من الانحطاط الذي يدفعنا أبعد فأبعد في مأزقنا بما يشبه بمريض مصاب بمرض عضال يشتد مرضه دون أن يبحث عن الدواء أو يكون راغبًا في الشفاء أصلًا … نقطة البداية كانت في الاصطدام بالغرب المتفوق ، لحظة انهيار الذات المتخيلة و العالم الذي يدور حولها ثم تلتها الضربة الأقسى عندما كان على المسلمين أن يروا أنفسهم و قد أصبحوا على قدم المساواة مع الآخر المقيم بيننا ذلك الذليل الذي كان عليه دفع الجزية و أن يعيش دون كرامة بإنسانية ناقصة و الذي أصبح فجأة ندًا لا مجرد ذليل أقل شأنًا ، اصطدام مفاجئ و عنيف هز بل زلزل كل شيء في لحظة … كان الغرب يبدو قبل ذلك تارةً مهزوم تاريخيًا و حضاريًا أو ندًا في أفضل الأحوال لكن الغرب هذه المرة كان هو المتفوق ، المنتصر و نحن المهزومون ، هو الذي سبقنا و بمراحل و نحن المتخلفون ، كان ذلك الخنجر الذي انغمس عميقًا في وعي أجدادنا و آباءنا عندما حطت أقدام نابليون في مصر و بدأت جيوش السلطان المعظم تنتقل من هزيمة لأخرى حتى أمام الشعوب التي عاشت لقرون تحت نير مولانا … لم نهزم نحن فنحن الافتراضية لم تكن موجودة إلا بمعية ساداتنا ، من هزم كان سادتنا ، لكن سادتنا كانوا مركز تلك الأنا المتوهمة التي آمنا و نؤمن بها حتى بعد اختفائهم بعشرات و مئات السنين … لم يعامل سادتنا الراحلين أجدادنا كبشر بل كأتباع كرعايا لكن أجدادنا ارتبطوا بهم برابطة عبودية عذبة ، كل من خرج على طغيانهم و ظلمهم من أجدادنا قتل في الساح و بقي فقط العبيد السذج المسرورين بسلاسهم و بخدمة أسيادهم و الاستسلام لظلمهم ، قضي تمامًا على فقه الخوارج و المعتزلة و القدرية و الغلاة و بقي فقط فقه الخضوع للسيد المتغلب بالسيف ، فقه كره بقية السادة و رفض الخضوع لغير هذا السيد سواء كان فقهًا سنيًا أو شيعيًا صفويا" …
اذا تحدثنا بلغة التاريخ القاسية و غير المبالية ، لم يرحم التاريخ أوهامنا التافهة عندما سحق أوهامنا تلك بضربة واحدة ، منذ أن فاجئ الغرب سيد أجدادنا السلطان المنغمس في لذاته و هزمه مرة تلو أخرى ، منذ ذلك اليوم لم تتوقف الهزائم أمام ذلك الغرب و أشنع تلك الهزائم هي شعورنا الغامر بالتفاهة الحضارية و بهامشية وجودنا بأسره … هناك في الأعلى في قصور و حرملك و سرملك السلطان كانت أخبار تلك الهزائم المشؤومة تدفع الرجال الجالسين و النائمين هناك للبحث عن حلول ، بدأ كبار خدم السلطان باستيراد الخطط و التشكيلات العسكرية الغربية و اضطروا في سبيل ذلك للتخلص من نظام الانكشارية و المماليك في نفس الوقت تقريبًا ، لكن الهزائم توالت بل زادت شؤما" و بدت اللعنة التي أصابت الدولة العلية الخاقانية لا راد لها ، جاء بعد ذلك دور القوانين و التعليم و القضاء وصولًا لاستبدال مجمل مؤسسات الدولة القائمة على النظام الملي و الشريعة الإسلامية بمؤسسات حديثة تعتمد على بيروقراطية متعلمة تعليمًا حديثًا أوروبيًا ، و في مواجهة صعود التيارات القومية و النزعات الاستقلالية في كل مكان خاصة البلقان حاول خدم السلطان العثماني إقناع تلك الشعوب بالكف عن الحلم بالاستقلال و بسادة من بني جلدتهم فصدرت قوانين التنظيمات التي أعلنت لأول مرة في تاريخ الشرق منذ قدوم العرب الفاتحين المساواة التامة بين كل رعايا السلطان بغض النظر عن دينهم ، قبل ذلك كان من المحرم على المسيحيين ، و اليهود و المسلمين غير السنة أيضًا ، أن يسيروا في منتصف الطريق ، أن يلبسوا ملابس تشبه ملابس جيرانهم المسلمين ، أن يحملوا سيفًا ، أن يركبوا حصانًا أن يشهدوا في المحاكم أو يتولوا أي منصب ، فجأة صاروا قادرين على فعل ما يشاؤون ارتداء ما يشاؤون أصبح أجدادنا مضطرين للحديث معهم باحترام لرؤيتهم كبشر مساوين لهم ، ثم أخيرا أسقطت عنهم حتى الجزية ، كانت تلك ضربات لا تعرف الرحمة على ذات نرجسية أدمنت أوهامها و عبادة سادتها و قيودها … كانت أول محاولة لفرض ثقافة المواطنة في الشرق على الإطلاق * … لأول مرة منذ قرون ، منذ قتل الفلاسفة و إحراق كتبهم ، خسر رجال الدين السنة سيطرتهم على القضاء و التعليم الذين أصبحا ذات صبغة علمانية دنيوية وضعية صريحة ، و لأول مرة منذ أصبح المذهب السني مذهبًا رسميًا لكل السلاطين منذ انقلاب المتوكل على المعتزلة كمذهب يدعو للخضوع الأعمى المطلق للسلطان و يكفر الخروج عليه ، لأول مرة في التاريخ أصبح شيوخ السنة ثوريين معارضين للسلطان الذي يتجرأ على امتيازاتهم و على دينهم و شرعهم رغم أنهم لم يملكوا ما يقدموه سوى خرافة العودة إلى الإسلام الأول على طريقة داوها بالتي كانت هي الداء ، على أمل أن نتمكن من تغيير ضعفنا قوةً بأن نطيل ذقوننا و نقصر ملابسنا ، طالما رددنا أننا سننتصر على كل أعدائنا أي على كل العالم تقريبًا بمجرد التزامنا بصلاة الفجر
تتداخل عقدنا و جراحنا النرجسية العبيطة ، فالغرب هو فقط الاستعمار ، و يمكن أن نتساءل ببساطة ، ما الذي يدفع مثقف سوري كصبحي حديدي ولد في عهد الاستقلال و عاش لعقود طويلة في باريس متمتعا" بكل امتيازات الفرنسيين أنفسهم أن يكون مهووسًا بالاستعمار لهذا الحد الذي يمنعه إلا من الدعوة لخصام و قطع مع الغرب بأسره بطريقة لا تختلف عن الحديث عن نقيضين هما دار الإسلام و دار الكفر ، و على هذا قس ، ادوار سعيد الشخص الذي بغض النظر عن الشك في منشئه المقدسي و لم يعرف فلسطين الفعلية لكنه عندما وقف أمام احتقار الغرب للشرق ترك كل شيء في الشرق يستحق السخرية أو الفخر و ركز فقط على الإسلام و سخرية عقلانيو الغرب من الإسلام و هو المسيحي الذي يحكم الإسلام بكفره و خلوده في جهنم أما في هذه الدنيا فهو مجرد ذمي في ديار الاسلام … لقد كان كره الغرب القاسم المشترك الأكبر بين التيارات السياسية و الثقافية العربية ، كرهًا عفويا يقترب من الحالة البديهية البدائية ، إيمانيا بشكل من الأشكال ، أقرب الى عقيدة منه إلى موقف سياسي فكري ، ردة فعل كريه ينتج مباشرةً عن أسوأ ما في جرحنا النرجسي من أوجاع و إحباطات و أوهام … أما الأقليات فهم عملاء الغرب لا أكثر و كل دعوة من هؤلاء للحصول على حقوق متساوية أو حكم ذاتي مجرد مؤامرة قذرة على شعب الله المختار و دين الله المختار … أما الضربة الأقسى فكانت فلسطين ، عندما تمكن بضعة ملايين من اليهود من هزيمة سادتنا واحدًا تلو آخر ، من سحق جيوشنا واحدًا بعد آخر ، رغم كل ما في القضية الفلسطينية من عدالة إلا أنها كانت بالنسبة لمعظمنا قضية ثأر عشائري ، فلسطين ليست حافزًا نحو العدالة بالنسبة لمعظمنا بقدر ما هي مبرر جاهز و سهل للهمجية و الذبح و الكراهية لتبرير ما لا يمكن تبريره إنسانيًا و أخلاقيًا
كان خط كلخانة الذي أعلن مساواة كل رعايا السلطان أول محاولة لفرض ثقافة المواطنة في الشرق ، أول مرة تعلن فيها السلطة في الشرق أنها تنظر بنفس العين لكل رعاياها ، جاء الرد في مجازر حلب 1850 و دمشق و جبل لبنان 1860 وصولًا إلى إعلان دولة أموية طالبانية جديدة في دمشق في ديسمبر الماضي و ما ترتكبه من مجازر و سبي و خطف في الساحل و تلك التي اضطر الأمويون الجدد لإيقافها في السويداء و صحنايا و جرمانا و قبلها في سياسة الأرض المحروقة و الإبادة المعلنة في عفرين و سنجار … بغض النظر عن الدور الوظيفي المؤقت للدولة الطالبانية الأموية في دمشق ، لم تفلح كل تلك الإبادات التي نفذت باسم نحن المتوهمة المريضة في شفاء غالبية المسلمين و العرب من جرحهم النرجسي ، و لا خففت منه استضافة ملايين منهم في أنحاء العالم ، بالعكس … من جهة أخرى صحيح أن رد الأسر المدينية الكبرى في دمشق و حلب مثلًا على قوانين التنظيمات جاء مختلفًا عن عوام تلك المدن الذين سار معظمهم خلف أكثر شيوخهم تخلفًا فقد أرسلت تلك العوائل أبنائها إلى المدارس الحديثة و دفعت بهم إلى جهاز الدولة المستحدث على النمط الأوروبي و هذا التباين في الموقف من الحداثة و احتمالاتها و فرصها ما يظهر اليوم أيضًا في تباين موقف سكان المدن عن العشوائيات و الريف الذين يختارون مرةً أخرى العسكرية طريقًا إلى السلطة و الصعود الاجتماعي و كره الغرب و الآخر كعقيدة مقدسة … تمامًا كما حدث في إيران من قبل عندما تحالف العلماء الأكثر تخلفًا بزعامة الخميني مع بعض أفراد الطبقة الوسطى المهمشين و الذين تبنوا أفكارًا ثورية مضطربة معادية للشاه و الغرب و الحداثة مع قاعدة عريضة من البروليتاريا الرثة أساسًا ، هذا بالضبط ما يجري اليوم في سوريا الأموية الطالبانية اليوم ، ما كانت سوريا ذات يوم و التي حكم عليها الجولاني و شبيحته بالزوال بمجرد زوال حكمهم
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |